من هدى القرآن - المدرسي، السيد محمد تقي - الصفحة ٢٣ - التشريعات المالية في الإسلام
وبالرغم من بعض العادات والأنظمة الجاهلية التي منعت الإرث عن النساء، يؤكد القرآن هنا على مخالفة تلك العادات والأنظمة ويقول لِلرِّجَالِ نَصِيبٌ مِمَّا تَرَكَ الْوَالِدَانِ وَالأَقْرَبُونَ وَلِلنِّسَاءِ نَصِيبٌ مِمَّا تَرَكَ الْوَالِدَانِ وَالأَقْرَبُونَ مِمَّا قَلَّ مِنْهُ أَوْ كَثُرَ نَصِيباً مَفْرُوضاً أي لكل رجل أو امرأة حق مفروض في تركة الميت القريب منهما في الرحم.
[٨] وللمجتمع حق معلوم في تركة الميت .. وَإِذَا حَضَرَ الْقِسْمَةَ أُوْلُوا الْقُرْبَى ممن لا تربطهم بالميت صلة قرابة تقتضي توريثهم.
وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينُ فَارْزُقُوهُمْ مِنْهُ وَقُولُوا لَهُمْ قَوْلًا مَعْرُوفاً والقول المعروف هنا وفي كل مناسبة تشبه الإرث يعني: ضرورة العمل من أجل رفع مستوى الطبقات المحرومة نفسيًّا وتربويًّا حتى لا يشعروا بالذل والمهانة، بل ولكي يساعدهم مستواهم الرفيع على محاربة واقعهم، والعمل الجاد على إصلاحه وتطويره.
فهذا اليتيم الذي اضطرته الحاجة المؤقتة إلى أن يحضر قسمة الإرث، يرمق ببصرِهِ تركة الأموات، إنه سيصبح غداً شابًّا قويًّا قادراً على العمل البَنَّاء، لو لم تحطم نفسيته أيام فقره وحاجته، ولو لم تحطم سمعته أمام الناس وينظر إليه كطبقة هابطة ومنبوذة في المجتمع، وكذلك المسكين العاطل عن العمل اليوم قد يجد غداً عملًا يناسبه، فيصبح عضواً فعالًا في جسم المجتمع إن لم يشعره المجتمع أيام مسكنته بأنه من طبقة منبوذة.
من هنا يركز القرآن على ضرورة إعطاء الطبقات المحرومة جرعات روحية بالإضافة إلى توفير الحاجات المادية لهم، لتساعدهم تلك الجرعات على مقاومة واقعهم بأنفسهم، أولا أقل لكي يحظوا بالسعادة من تقدير المجتمع لهم، وعدم النظر إلى وضعهم الاقتصادي المنحط.
كما تدين تدان
[٩] وبمناسبة الحديث عن الإرث بين القرآن مرة أخرى حكم اليتيم باعتبار أن كثيراً من الأموات يتركون ذرية صغاراً من ورائهم ويتعرض هؤلاء لطمع الجشعين، وأخذ القرآن يحرك فينا خوفنا الفطري من الموت، وضياع ذريتنا من ورائنا وقال: لو لم يحترم المجتمع حقوق اليتامى فكل فرد مهدد أن تغتصب حقوق يتاماه غداً كما يغتصب هو حق اليتامى اليوم. إذن ... فإن لم يكن لله فلأنفسنا نحافظ على حقوق اليتامى.
وَلْيَخْشَ الَّذِينَ لَوْ تَرَكُوا مِنْ خَلْفِهِمْ ذُرِّيَّةً ضِعَافاً خَافُوا عَلَيْهِمْ إذن فلا يظلموا ذرية الناس ما داموا هم أصحاب ذرية يخشون عليهم لو ماتوا ... أفلا يعرفون أن من طرق