من هدى القرآن - المدرسي، السيد محمد تقي - الصفحة ٣٧٤ - الشك المنهجي طريق إلى اليقين
العقل يهدي الفرد إلى أن الإله لن يكون متغيراً، وأنه فوق القوى، وأن لا سلطان على سلطانه، وحين يرى الفرد الكواكب والقمر والشمس كل يأفل عندما يصل وقت أفوله يتيقن أن كل أولئك ليسوا بآلهة.
ومن خلال التطلع إلى الظواهر الكونية والإيمان بأنها لا تصلح أن تكون آلهة. وقد عرف إبراهيم حقائق أخرى منها: أن الذي يهديك إلى الله هو الله ذاته، وأن ما لا يصلح أن يكون إلهاً لا يصلح أن يكون نصف إله، وأن يشرك به شيئاً، ولذلك يجب رفض جميع الآلهة إلا الله.
بينات من الآيات
نعم للاحترام لا للعبودية
[٧٤] من دون تضحية لاتبلغ الحقائق، والعلم كأي مكسب آخر بحاجة إلى جهد بل إلى جهاد وتحد، إن البشر معرض لأن تستعبده القوى الطاغوتية أو الطبيعية، لذلك يبدأ البشر تحرره بالتحرر العقائدي. وإبراهيم كأي شخص آخر في مجتمع الجاهلية قد عرض لعبودية الطاغوت، ولكنه رفضها وتحداها. إن الطاغوت يصنع جوًّا فكريًّا في المجتمع، يؤيده ويبرر أخطاءه. وهذا الجو يضغط على الإنسان من خلال تعامله مع أقرب الناس إليه، أي من والديه ومربيه الذين يغذونه بالأفكار الباطلة، ويدعون أنهم محترمون، ولذلك فإن أفكارهم يجب أن تحترم هي الأخرى. وإبراهيم كمثل أعلى للمؤمن الرسالي رفض هذه الأفكار، وكان شعاره الاحترام للوالد نعم. أما للعبودية فلا* وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ لأَبِيهِ آزَرَ أَتَتَّخِذُ أَصْنَاماً آلِهَةً لم يقل هذا الكلام الفض لأخيه الأصغر منه، أو لرفيقه أو لزميله، كلا .. لأن الضغط الذي كان يمارسه عليه المجتمع النزوة كان بسبب أبيه آزر.
وآزر لم يلد إبراهيم، فهو لم يكن والده- حسب الكثير من الروايات المفسرة لآيات قصة إبراهيم- بل هو عمه الذي رباه، فخاطبه إبراهيم بالأبوة، وذكره القرآن ليذكرنا بأن الإيمان يبدأ من رفض الخضوع لأقوى سلطة اجتماعية على الفرد، وهي سلطة المربي والكفيل، ثم أعقب إبراهيم رفضه لأبيه برفضه لسلطة المجتمع الجاهلي وقال إِنِّي أَرَاكَ وَقَوْمَكَ فِي ضَلالٍ مُبِينٍ.
إن الخوف من المجتمع لا يدعك تفهم الحقائق، لأنك آنئذ لا تشكك نفسك بتلك الأفكار الباطلة، فتستمر عليها، ولذلك تجد الناس عادة يؤمنون بأفكار مجتمعهم، حتى قيل: بأن المجتمع صنم الفرد، حتى أن بعضهم آمن بالحتمية الاجتماعية، لذلك فعليك أن تتشبع بالثقة بذاتك حتى تتحدى الناس جميعاً.