من هدى القرآن - المدرسي، السيد محمد تقي - الصفحة ٤٥٠ - وهكذا ينظم التوحيد الحياة الاجتماعية
بينات من الآيات
كيف نتصرف في مال اليتيم؟
[١٥٢] من الميزات الهامة في التشريعات القرآنية هي الواقعية، فتأتي واجبات ومحرمات القرآن مطابقة لانحرافات الواقع الخارجي ومركزة عليها. مثلًا: في باب الاقتصاد لا يكتفي القرآن ببيان حق الملكية الخاصة، وحرمة الاعتداء على أموال الناس، بل ويهتم أبدا بتلك الحلقات الأكثر عرضة للاعتداء، فيركز حديثه عليها، ولذا يتوقف المجتمع عن الاعتداء في الحلقات الأكثر عرضة للاعتداء ويسراً، فإنه بالطبع لا يعتدي على غيره، ومن هنا ذكر القرآن الحكيم هنا مال اليتيم، والنقص في المكيال والميزان، أما مال اليتيم فلأن صاحبه ضعيف لا يقدر على المطالبة به، ولأنه أيسر وأقرب للضياع، وأما النقص في المكيال فلأنه أسلوب شائع وبعيد عن ملاحقة القانون لأن من الصعب التعرف عليه.
وَلا تَقْرَبُوا مَالَ الْيَتِيمِ إِلَّا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ أي من أجل تنميته، أو المحافظة عليه، وإلا فلا يجوز أساس وضع اليد على مال اليتيم لأنه لا يعرف رضا صاحبه بذلك.
حَتَّى يَبْلُغَ أَشُدَّهُ فإذا بلغ أشده، وبلغ سن الكمال وكان رشيداً فلابد أن تعاد إليه أمواله، ولا يجوز حتى التصرف بالتي هي أحسن فيها، كما جاء في آية أخرى وَابْتَلُوا الْيَتَامَى حَتَّى إِذَا بَلَغُوا النِّكَاحَ فَإِنْ آنَسْتُمْ مِنْهُمْ رُشْداً فَادْفَعُوا إِلَيْهِمْ أَمْوَالَهُمْ وَلا تَأْكُلُوهَا إِسْرَافاً وَبِدَاراً أَنْ يَكْبَرُوا [النساء: ٦].
وقد يكون بلوغ النكاح وحده نهاية السماح بالتصرف في أموال اليتيم، لأنه بعد ذلك سيصبح رشيداً ومسؤولًا عن أموال السفهاء (أبناءه قبل بلوغهم) من جهة أخرى.
وَأَوْفُوا الْكَيْلَ وَالْمِيزَانَ بِالْقِسْطِ فيحرم الغش في المكيال لأنه نوع خفي للاعتداء على ثروة المجتمع، وعلاقة شركية وليست توحيدية بين أبناء المجتمع، والوفاء بالكيل واحد من مصاديق احترام حقوق الآخرين أشار إليه القرآن لمعرفة سائر المصاديق مثل الغش والغبن ومماطلة المدينين، واستعجال الدائن.
في المجتمع الإسلامي الذي تسود علاقاته نظرة توحيدية لا يقتصر الفرد في النظر إلى نفسه، بل إلى الآخرين أيضاً، ويرى أن بلوغ الآخرين إلى مآربهم جزء من أهدافه، بل هو طريق لبلوغه هو إلى مآربه.
لا نُكَلِّفُ نَفْساً إِلَّا وُسْعَهَا الوفاء بالكيل وعدم بخس الميزان لا يعني ضرورة الدقة