من هدى القرآن - المدرسي، السيد محمد تقي - الصفحة ٤٥١ - وهكذا ينظم التوحيد الحياة الاجتماعية
العقلية في ذلك مما يصعب عملية التبادل التجاري، بل يعني أن يكون هدف الفرد القسط، ولا يعتمد التجاوز على حقوق الآخرين، ومن هنا جاء في الآية الكريمة لا نُكَلِّفُ اللهُ نَفْساً إِلَّا وُسْعَهَا [البقرة: ٢٨٦]. أي حسب استطاعتها دون حرج أو عسر، ذلك لأن المجتمع المسلم تنتشر فيه روح المسامحة والإحسان إلى جانب الالتزام بالحقوق.
المسؤولية الاجتماعية
وحين يلتزم سائر الأفراد بالحقوق تنتهي المشكلة، ولكن إذا تعاسروا واختلفوا فإن أبناء المجتمع يجب أن يصبحوا قضاة عدولًا، ولا يحكموا ضد أو مع هذا وذاك، من دون دليل ثابت حتى ولو كان الشخص من أعدائي أو من أقاربي. لابد أن يكون كلامي عدلًا.
وَإِذَا قُلْتُمْ فَاعْدِلُوا وَلَوْ كَانَ ذَا قُرْبَى وإذا امتلك المجتمع روحاً قضائية عادلة حكم أبناؤه لصاحب الحق وضد الظالم أنى كان، فإنه يصبح ذا مناعة كافية عن انتشار الظلم فيه، وعن نمو الجريمة، إذ أن الظالم لا يبدأ ظلمه بظلم كبير، وكذلك المجرم لا يقترف جرائم كبيرة مرة واحدة، إنما يتدرج نحوها شيئاً فشيئاً، فإذا ظلم الشخص مرة فعارضه أقرب رفاقه وأقاربه فسوف ينسحب لصالح المظلوم، يتأدب، ويتخذ لمستقبله درساً لا ينساه، وكذلك المجرم لو قام في البدء بجريمة صغيرة في محيط معارض له فسوف يتوقف عن الاستمرار في الجريمة.
وَبِعَهْدِ اللَّهِ أَوْفُوا هناك صلات طبيعية بين أبناء المجتمع كصلة الآباء بالأبناء، وقد سبق الحديث عنها في الدرس السابق، وهناك صلات حضارية أساسها التعاون على الخيروالمصالح المشتركة، وقد تحدث عنها القرآن في هذا الدرس، بيد أن شرط بقاء هذه الصلات هو تحكيم النظرة التوحيدية في العلاقات، وذكرها الله سبحانه متمثلا في حرمة الحقوق، وعدالة القضاء، والآن ذكر الله سبحانه العهد باعتباره الحبل المتين الذي يشد المجتمع ببعضه، ومن دون تقديسه واحترامه لا يثق المجتمع ببعضه، فيختل التعاون، بل يستحيل التعاون، إذ لا يمكن أن يكون الإعتماد على القوانين المستوردة وأجهزة الضبط والمراقبة الالكترونية الحديثة عوضاً عن العهد، حيث أن البشر قادر على تجاوزها والالتفاف حولها، ولكنه لا يستطيع تجاوز ضميره، والالتفاف حول وجدانه.
وقد جعل الله العهد بين الناس وثيقة بينه وبينهم مباشرة فسماه عهد الله حتى يعطيه الضمانة الإيمانية لإجرائه.
إن هذه وصايا ربنا الاجتماعية التي لو أمعنا فيها النظر لرأينا أنها حقائق واضحة كنا