من هدى القرآن - المدرسي، السيد محمد تقي - الصفحة ٤٢٥ - عاقبة الدار
وتهدينا إلى السبيل الأقوم.
والقرآن الحكيم يذكر هذه الأسماء، بعد أو قبل أن يذكر الآيات التي تدل عليها، والبصائر المستلهمة منها، والسلوك المعين التي تستوجبها.
والواقع أن هذا المنهج القرآني يعطي البصائر والرؤى الحياتية ركيزة عقلية، كما يعطي الأفكار أبعاداً واقعية، ونتائج سلوكية، وبالتالي يجمع هذا المنهج بين العقل والواقع والسلوك مما تتكامل به الشخصية البشرية.
وهنا يذكرنا القرآن باسمَي (الغني والرحمة) وَرَبُّكَ الْغَنِيُّ ذُو الرَّحْمَةِ وعند البشر لا يجتمع الغنى والرحمة عادة لأن الغنى عند الإنسان مصدره الغير، فيخشى البشر من فقدانه فيبخل به، بينما غنى الله مصدره القدرة المطلقة على الخلق، كما أن رحمته محدودة بحكمته لا تدعها تنفلت عن إطار العدالة.
إِنْ يَشَأْ يُذْهِبْكُمْ وَيَسْتَخْلِفْ مِنْ بَعْدِكُمْ مَا يَشَاءُ وهذا دليل على غناه ورحمته معا، فلولا قدرته، وبالتالي غناه عنكم لما كان قادراً على تعويضكم وتبديلكم، ولولا رحمته لفعل ذلك أول ما ظلمتم أنفسكم، وهذا دليل قدرته، وأيضاً إن رحمة ربنا محدودة بإطار حكمته، انه فعل ذلك حين كان من قبلكم آخرون فذهب بهم وأتى بكم.
كَمَا أَنشَأَكُمْ مِنْ ذُرِّيَّةِ قَوْمٍ آخَرِينَ وعندما يتذكر البشر بهذه الحقيقة يرزق الرصانة في التفكير، والواقعية في الرؤية، والاستقامة في السلوك، أما رصانة الفكر فلأنه يعلم أن القدرة المهيمنة على هذا الكون الرحيب غنية عنه لكنها رحيمة به، فعليه ألا تستبد به الخفة والتكبر والغرور، وأما واقعية الرؤية فعليه ألا ينظر إلى حقائق الحياة على أنها ثابتة أبداً، أما استقامة السلوك فلأنه يتمتع بالخوف والأمل، الخوف من استبدال الله له بالآخرين، والأمل في رحمته، وبين الخوف والأمل يستقيم سلوك البشر.
التسليم أو العاقبة
[١٣٤] ومادام البشر عاجزا عن توقيف مسيرة الزمن، أو منع العاقبة السؤى التي ينذر بها، ومادام عاجزا عن سلب قدرة الطرف الثاني وإعجازه، فعليه أن يسلم للحقيقة ولا يتكبر عنها إِنَّ مَا تُوعَدُونَ لآتٍ وَمَا أَنْتُمْ بِمُعْجِزِينَ.
[١٣٥] وينذر الله الظالمين حين يقول: إن للحرية الممنوحة لكم وللقدرات المخولة لكم حدودا تقف عندها.