من هدى القرآن - المدرسي، السيد محمد تقي - الصفحة ٣٤٦ - هكذا ترفع المآسي حجب الضلال
شدائد الحياة، هنالك يدعو الإنسان ربه وينسى كل أولئك الشركاء المزعومين، وأساساً الحكمة من بعض الشدائد التي تصيب الناس هي كشف الحقائق لهم، وإعادتهم إلى فطرتهم التوحيدية النقية، ولكن كثيراً من الأمم السابقة قست قلوبهم، فلم تعد تتقبل حتى الصدمات القوية الآتية من الشدائد، فلا يلبثون بعد انتهاء فترة المصيبة أن يعودوا إلى عاداتهم السيئة، وهناك يستدرجهم الله الجبار ببعض الرخاء حتى يفقدوا كل ما عندهم من وجدان وإيمان وهناك يأتيهم العذاب المدمر، الذي يقطع دابرهم وينهي حياتهم.
بينات من الآيات
وتنسون ما تشركون
[٤٠] قَالَ رَجُلٌ لِلصَّادِقِ (عليه السلام) يَا ابْنَ رَسُولِ الله دُلَّنِي عَلَى الله مَا هُوَ فَقَدْ أَكْثَرَ عَلَيَّ الْمُجَادِلُونَ وَحَيَّرُونِي. فَقَالَ لَهُ
«يَا عَبْدَاللهِ هَلْ رَكِبْتَ سَفِينَةً قَطُّ. قَالَ: نَعَمْ. قَالَ (عليه السلام): فَهَلْ كُسِرَ بِكَ حَيْثُ لَاسَفِينَةَ تُنْجِيكَ وَ لَاسِبَاحَةَ تُغْنِيكَ. قَالَ: نَعَمْ. قَالَ (عليه السلام): فَهَلْ تَعَلَّقَ قَلْبُكَ هُنَالِكَ أَنَّ شَيْئاً مِنَ الْأَشْيَاءِ قَادِرٌ عَلَى أَنْ يُخَلِّصَكَ مِنْ وَرْطَتِكَ. قَالَ: نَعَمْ. قَالَ الصَّادِقُ (عليه السلام): فَذَلِكَ الشَّيْءُ هُوَ الله الْقَادِرُ عَلَى الْإِنْجَاءِ حَيْثُ لَامُنْجِيَ وَعَلَى الْإِغَاثَةِ حَيْثُ لَا مُغِيثَ» ظ [١].
في الحالات العادية، تتراكم ظلمات الغفلة والتكبر والجهل حول فطرة البشر، أما حين يجد الجد، ويواجه الخطر الحقيقي، آنئذ تنحسر الظلمات من حول القلب، ويتوسل الإنسان بربه (الحق) دون غفلة أو تكبر أو جهل.
قُلْ أَرَأَيْتَكُمْ إِنْ أَتَاكُمْ عَذَابُ اللَّهِ أَوْ أَتَتْكُمْ السَّاعَةُ أَغَيْرَ اللَّهِ تَدْعُونَ إِنْ كُنتُمْ صَادِقِينَ عذاب الله المتمثل في الشدائد، والساعة المتمثلة في الخطر.
إن كل واحد منا يمر بمثل هذه اللحظات الصعبة التي يكتشف فيها ربه، ولكن بعضنا فقط يبقى يتذكر تلك اللحظات بعدئذ.
[٤١] نعم هناك يدعو الإنسان ربه، ويستجيب الله دعاءه، حينما تقتضي الحكمة ذلك.
بَلْ إِيَّاهُ تَدْعُونَ يعني تدعون الله فقط دون غيره من الشركاء.
فَيَكْشِفُ مَا تَدْعُونَ إِلَيْهِ حين تدعون الله وتتوسلون إليه لبلوغ الهدف.
إِنْ شَاءَ الله حسب حكمته ينقذكم، مما يدل على أن الله لا يحتم عليه الدعاء، ولا يؤثر
[١] بحارالأنوار، ٣، ص ٤١.