من هدى القرآن - المدرسي، السيد محمد تقي - الصفحة ٣٥١ - هل يستوي الأعمى والبصير
وعند هذه النقطة تنتهي وظائف الأنبياء (عليهم السلام)، فإنهم لم يأتوا ليتخذوا قرارات بديلًا عن الناس، أو يكرهوا الناس على اتباع الحق، أو ليوفروا لهم الخير، كلا. بل إنما جاءوا ليساعدوا الإنسان على الرؤية السليمة، ثم يكون هو المسؤول عن ذاته. وعلاقة هذا الدرس بما مضى هو بيان أن: الضراعة إلى الله لا تختص بحين نزول المصيبة، بل نحن بحاجة إلى الضراعة إلى الله في كل حال.
بينات من الآيات
أسباب الهداية
[٤٦] لكي نصل إلى الغاية- أية غاية- لابد أن يتوفر لدينا شرطان
الأول: أن يكون أمامنا سبيل معبد ينتهي إلى تلك الغاية.
والثاني: أن نملك الرؤية الكافية التي نكشف بها ذلك السبيل، والله هو الذي سن السنن، وعبد السبل أمام البشر للوصول إلى أهدافه النبيلة، وهو الذي زود الإنسان بالرؤية الكافية، أما لو سلبه هذه الرؤية فأنه سوف يصطدم بالعقبات أو يقع في واد سحيق، وليس فقط يضل الطريق قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ أَخَذَ اللَّهُ سَمْعَكُمْ وَأَبْصَارَكُمْ وَخَتَمَ عَلَى قُلُوبِكُمْ مَنْ إِلَهٌ غَيْرُ اللَّهِ يَأْتِيكُمْ بِهِ السمع جاء مفرداً في آيات القرآن. ربما لأن ما يسمعه الإنسان أقرب إلى العقل، وأنسب إلى المجردات والكليات. خصوصاً إذا فسرنا السمع ب- (الأقوال) التي نسمعها من الآخرين حول الحقائق، بينما الأبصار جاء جمعاً في القرآن، ربما لأن ما يراه الإنسان متنوع ومختلف، وأقرب إلى الواقعيات الخارجية.
وسواء ما يسمعه البشر وينقل إليه من تجارب الآخرين وعلومهم، أو ما يراه بنفسه ويحصل عليه من علم وخبرة بصورة مباشرة، فإنهما نافذتان إلى القلب أو العقل فلو ختم الله على قلب البشر، وأزال عنه مقاييسه العقلية، ومسبقاته الفطرية، فماذا يبقى عنده؟ إنه سوف يفقد القدرة على تعقل الأحاسيس، ويتجمد على ما يسمعه أو يراه دون أن يستنبط منهما حقائق جديدة، أو يستدل بهما إلى ما ورائهما من حقائق وواقعيات. إنه آنئذ يرى شعلة النار دون أن يعقل أن الشعلة نذير الحرارة والحرارة سبيل الاحتراق والانتشار، وأنها لا تنشأ بلا سبب، وأن الذي أشعل النار كانت له دوافعه وأهدافه. كلا .. إنه يرى الشعلة فقط، وقد يقع فيها ويحترق. كذلك الذي يختم الله على قلبه. يقف في فهم الحقائق عند حد معين دون أن يصل إلى الجذور البعيدة لها. يرى الفقر دون أن يعرف إن النظام الاقتصادي هو وراء الفقر. يرى المرض دون أن يعرف أن اللامبالاة في الوقاية هي السبب. يرى العجز الحضاري دون أن يهتدي إلى أن الطاغوت هو السبب المباشر أو غير المباشر له، وهكذا يبقى في العذاب أبداً.