من هدى القرآن - المدرسي، السيد محمد تقي - الصفحة ٢٠١ - الأمة التي نقضت ميثاق ربها
وأخيراً قال الله مِمَّا ذُكِّرُوا بِهِ لبيان أن عقولهم كانت تتوافق مع بنود الرسالة التي كانت تذكيراً لتلك العقول، بيد أنهم أداروا ظهورهم عن هدى عقولهم أيضاً .. فلم يحفلوا بالرسالة ولا بما ذكرت به. ولم تنته فصول اللعنة التي أحاطت باليهود بسبب نقض الميثاق عند هذا الحد، بل سيطرت اللعنة على سلوكهم العام.
وَلا تَزَالُ تَطَّلِعُ عَلَى خَائِنَةٍ مِنْهُمْ إِلَّا قَلِيلًا مِنْهُمْ لأنهم أصيبوا بقسوة القلب، والاستخفاف بالرسالة وتحريفها، ونسيان جانب منها، فقد توغلوا في الأنانية وما الأنانية سوى وليدة الاستهانة بقيم الحق، والتمحور حول الذات.
وهذه الأنانية ولدت عندهم خيانة بعضهم البعض الآخر، لأن الأمانة تأتي نتيجة الخوف والرجاء والالتزام بالقيم والتمحور حول الحق.
أما هؤلاء فكانت قلوبهم صخرية، ولم يجدوا حتى رائحة القيم فلماذا الأمانة؟.
بيد أن خيانة هؤلاء يجب ألا تدعونا إلى خيانة مضادة، إن الأمة الإسلامية يجب أن تحتفظ بأخلاقياتها السامية عند تعاملها مع الأمم الفاسدة خلقيًّا، وإلا تكتسب منها سيئات خلقها وسلوكها.
لذلك نبه القرآن إلى ذلك بالقول فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاصْفَحْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ العفو: هو عدم مؤاخذة المذنب بذنبه، والصفح: هو نسيان هذا الذنب كلية، والإحسان: هو محاولة إصلاح المذنب برفع أسباب ذنبه (كالفقر والجهل أو الحقد).
النصارى النموذج الآخر
[١٤] كانت تلك قصة نقض اليهود للميثاق، أما قصة النصارى في نقض الميثاق فهي تختلف جزئيًّا في قسوة القلب فلأن رسالة المسيح (عليه السلام) كانت منصبة على المواعظ والترغيب والترهيب فإن النصارى لم يصابوا بلعنة قسوة القلب.
بيد أن النصارى نسوا- مثل اليهود- جانباً من رسالتهم، واتبعوا في ذلك الجانب أوهامهم وشهواتهم ومصالحهم.
ولأن البشر حين يتبعون أوهامهم وشهواتهم ومصالحهم فإنهم يختلفون فيما بينهم بسبب اختلاف الأوهام والشهوات والمصالح من طائفة لأخرى بل من شخص لآخر لذلك فقد اختلف النصارى وانتهت حياتهم إلى جحيم.