من هدى القرآن - المدرسي، السيد محمد تقي - الصفحة ٢١٣ - بنو إسرائيل في التيه
و أسلوباً للتضحية السخية، وقيادة رشيدة للجهاد من أجل التحرر والتطوير، نجد آخرين يؤمنون بالدين وبالقيادة الدينية لتحمل عنهم مشاكل الحياة وتقوم بدلًا عنهم بالعمل من أجل حلها.
وإذا لم تحل مشاكلهم بالدين صبوا عليه جام غضبهم، وكفروا به وبقيادته كما يفعل المسلمون اليوم الذين نبذوا الدين لأنه لم يمنحهم التقدم، بينما السبب في تخلفهم إنما هو تقاعسهم عن العمل الصادق.
النصارى الذين زعموا أن المسيح يفديهم بنفسه ويخلصهم من شرور أنفسهم، ومن سيئات أعمالهم كانوا من هذا النوع، واليهود الذين وكلوا الله عنهم في الحرب كانوا هكذا أيضاً من أصحاب هذه الفكرة.
بينما المسلمون الصادقون استجابوا للرسول (صلى الله عليه وآله) عندما شاورهم في الحرب (في بدر) فقال له المقداد
«يَا رَسُولَ اللهِ (صلى الله عليه وآله) إِنَّهَا قُرَيْشٌ وَخُيَلَاؤُهَا وَقَدْ آمَنَّا بِكَ وَصَدَّقْنَاكَ وَشَهِدْنَا أَنَّ مَا جِئْتَ بِهِ حَقٌّ مِنْ عِنْدِالله وَ اللهِ لَوْ أَمَرْتَنَا أَنْ نَخُوضَ جَمْرَ الْغَضَا وشَوْكَ الْهَرَاسِ لَخُضْنَا مَعَكَ وَلَا نَقُولُ لَكَ مَا قَالَتْ بَنُو إِسْرَائِيلَ لِمُوسَى فَاذْهَبْ أَنْتَ وَرَبُّكَ فَقَاتِلا إِنَّا هَاهُنَا قَاعِدُونَ وَلَكِنَّا نَقُولُ: اذْهَبْ أَنْتَ وَرَبُّكَ فَقَاتِلَا إِنَّا مَعَكُمَا مُقَاتِلُون» [١].
[٢٥] إن اتباع القيادة بصدق هو هذا الاتباع لا ذاك، لذلك تبرأ موسى من قومه، وقال قَالَ رَبِّ إِنِّي لا أَمْلِكُ إِلَّا نَفْسِي وَأَخِي فَافْرُقْ بَيْنَنَا وَبَيْنَ الْقَوْمِ الْفَاسِقِينَ إن أخطر بلاء ينزل على الأمة اللامسؤولة التي تلقي بأعبائها على كاهل قيادتها وتتقاعس عن العمل هو: حرمانها من تلك القيادة، حيث ينفصل عنها قادتها المصلحون بعد التأكد من أن لا رجاء في إصلاحهم. لقد تبرأ موسى من قومه وانفصل عنهم ورماهم بالفسق.
[٢٦] أما الجزاء الثاني: فهو البقاء في التخلف لأن هذه الأمة لم ترض بدفع ضريبة التقدم وهي الجهاد، لذلك كان جزاء بني إسرائيل عندما تقاعسوا عن حرب الجبارين أن بقوا في التيه، كما أن جزاء كل أمة لاتتبع قيادتها الرسالية، هو بقاؤها في مستنقع الضلالة والتخلف حتى تعرف أهمية القيادة، وتعود إلى رشدها قَالَ فَإِنَّهَا مُحَرَّمَةٌ عَلَيْهِمْ أَرْبَعِينَ سَنَةً يَتِيهُونَ فِي الأَرْضِ فَلا تَأْسَ عَلَى الْقَوْمِ الْفَاسِقِينَ إن موسى (عليه السلام) تبرأ من قومه وطلب من ربه بأن يفرق بينهم وبينه، وقد استجاب له الله عز وجل وطلب منه أن ينسى هموم قومه، ولا يأسف على ما يصل إليهم.
[١] بحار الأنوار: ج ١٩ ص ٢٤٧.