من هدى القرآن - المدرسي، السيد محمد تقي - الصفحة ٢٠٠ - الأمة التي نقضت ميثاق ربها
فالقلب اللين كأرض لينة تنبت الزرع، وتستجيب للعمران.
أما إذا جهلت الحياة، ولم تؤمن بالله، ولم تع الأخطار التي تهددك ولم تعرف المنافع التي يمكن أن تأتيك فإن قلبك يقسو ويصبح صلباً لا يتحرك لرجاء ولا يهتز لخوف، إنك تشعر وكأن الكون جامد من حولك، وأن ما عندك من خير ونعمة لا يزول أبداً، وأن ما بك من نقص أو عجز لايزول أبداً، فلماذا الخوف إذن؟ ولماذا الرجاء؟ ولماذا التفكير الموضوعي؟، وبالتالي لماذا التحرك والنشاط؟.
القلب القاسي يقبع في زنزانة الذات، ولا يرى سبباً لمعرفة الحياة ولا للتوافق مع سنتها وحقائقها، إذ أنه لا يخاف ولا يرجو، ومن هنا فإنه يستهين بالعلم ويستخف بالحق وبرسالات السماء بل ويلعب بها حسبما تملي عليه أوهامه.
إنه يحرف كلام الله لأنه لا يرى قيمة لكلام الله، ولا يشعر بأنه هو الذي يجلب الخير إليه ويدفع الضر عنه، ذلك لأنه أساساً لا يعقل زوال الخير عنه، ولا خطر نزول الضربة.
من هنا لعن الله اليهود بقسوة القلب فحرفوا كلام الله يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ عَنْ مَوَاضِعِهِ يحرفون كل كلام عن موضعه الصحيح، ويضعونه في موضع آخر إما بتحريف الكلمة ذاتها مثل ما فعلوا بما يخص بشارة نبوة نبينا محمد (صلى الله عليه وآله) فغيروا فيها بحيث لا تتوافق ودلائل بعثته، أو بتأويل الكلمة إلى غير معانيها الأصلية.
لقد قالت اليهود: إن كل ما جاء في التوراة من ذم الربا والسحت وأكل أموال الناس بالإثم والعدوان، إنها جميعاً تختص بعلاقة اليهود ببعضهم ولا تشمل علاقة اليهود بغيرهم من الأميين حيث زعموا أنه يجوز الاعتداء عليهم.
وبذلك حرفوا الكلم النازلة حول هذه الموبقات عن مواضعها الصحيحة، وهي علاقة الناس ببعضهم (اليهود وغيرهم) إلى مواضع أخرى تتوافق مع أهدافهم الخبيثة.
ولم يكتف اليهود بتحريف الكلم، بل وحرفوا بعض بنود الرسالة لأنهم حين قست قلوبهم لم يعطوا للرسالة قيمة فحرفوا منها ما خالف أهواءهم، ولم يقل القرآن حذفوا قسماً من الرسالة بل قال وَنَسُوا حَظّاً مِمَّا ذُكِّرُوا بِهِ لأن الرسالة باقية لا تتغير، ولا يقدر أحد أن يحذف منها شيئاً بل هم الذين نسوا وبالتالي ابتعدوا عن بعض بنود الرسالة.
ثم عبر القرآن بكلمة حَظّاً عن جانب للدلالة على أن القسم الذي نسوه من الرسالة كان بالتالي في صالحهم كسائر أقسام الرسالة.