من هدى القرآن - المدرسي، السيد محمد تقي - الصفحة ٢٣٨ - فاستبقوا الخيرات
بإجابة واضحة نفصلها في عدة نقاط
ألف: إن كل أمة تتميز بممارسات حياتية مادية ومعنوية خاصة، فاقتصاد كل أمة واجتماعياتها وسلوكياتها الفردية (وسائر ما تسمى بالشرعة) تختلف عن غيرها، كما أن لغتتها وثقافتها وتطلعاتها (وسائر ما يسمى بالمنهاج) تختلف عن غيرها.
باء: إن هذا الاختلاف فطري نابع من خلقة البشر، وطبيعة اختلاف الحياة، وانعكاس هذا الاختلاف على كيان البشر، وإلا فإن الله قادر على أن يجعل البشر- كما الطيور والأسماك وما أشبه- أمة واحدة دون اختلاف يذكر فيما بينهم.
جيم: والاختلاف نافع للحياة البشرية لأنه يدعو إلى التنافس والتسارع إلى الخيرات، إذ كل طائفة تسعى من أجل معرفة أفضل بأنظمة الحياة، ووسائل أفضل لتسخير إمكاناتها بهدف تحقيق التقدم على الطوائف الأخرى، ولذلك نجد الحضارات الكبرى في التاريخ إنما نشأت بسبب تصارع وتدافع الطوائف مع بعضها، تصارعاً خفيًّا لايدعو إلى التدمير داخل الأمة الواحدة.
دال: إن هذا الاختلاف ينبغي ألا يجعل عدوًّا رئيسيًّا يتسهدف كل فريق القضاء عليه بالقضاء على صاحبه أو بالجدليات الكلامية كلا. بل ينبغي أن يترك الحكم على عاقبة الاختلاف ونهاية الصراع أن يكون لهذا أو لذاك يترك ذلك إلى الله واليوم الآخر حتى لا توجه هذه الطاقة البناءة (طاقة الصراع والتنافس) إلى الدمار والهلاك، فيصبح هدف كل فريق القضاء على مكاسب الفريق الآخر كلا. بل ليكن هم كل فريق الحصول على مكاسب أكبر من صاحبه في ميدان الحياة الرحيب الذي يسع الجميع دون تضايق.
إن حكمة الله في إيجاد الناس مختلفين هي اختيارهم في مدى القوى الذاتية والإمكانات الطبيعية التي وفرها لهم لكي يعلم أي الفريقين أكثر معرفة وعلماً بالحياة، وأفضل تسخيرا لها وبالتالي أكثر إيماناً، وأفضل عملًا صالحاً فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ بِمَا أَنزَلَ اللَّهُ وَلا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَهُمْ عَمَّا جَاءَكَ مِنْ الْحَقِ ويجعل العلم في القرآن في مقابل الهوى لأن الأهواء هي الحجب الكثيفة التي تمنع الإنسان من الوصول إلى الحق.
لِكُلٍّ جَعَلْنَا مِنْكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهَاجاً بالرغم من أن الشرعة والمنهاج بمعنى واحد وهو الطريقة حتى قالوا: بأنهما مترادفان بالرغم من ذلك فإن المنهاج هو: الطريق المستقيم، بينما الشريعة هي: الطريق العريض الواضح، فيتبادر أن المراد بالمنهاج هو ما يخص الأمور المعنوية (والتي نسميها بالثقافة) باعتبارها لحاظ الاستقامة في الحكمة، بينما المراد من الشريعة هو الأمور المادية والله أعلم.