من هدى القرآن - المدرسي، السيد محمد تقي - الصفحة ٤١٤ - اتباع الهوى واكتساب المآثم
وتناول الرطب واليابس معاً دون فرق، كما تفعله الجماعات البشرية في ظروف قوتهم وبطشهم (وحضارتهم) كلا .. هناك حدود يجب على البشر أن يقف عندها، هي حدود الإثم الذي فصله الله سبحانه وَذَرُوا ظَاهِرَ الإِثْمِ وَبَاطِنَهُ والإثم حرام لا لأنه يتشكل بهذه الصورة أو بتلك أو لأن اسمه (إثم) أو لأن الناس يتبرءون منه، بل لأنه خبيث وإثم في جوهره، ولذلك لا فرق بين ظاهره وباطنه، علنه وسره، سواء كان باسم الإثم، أو وضع له اسم آخر مثل الأسماء القانونية التي توضع اليوم للاحتكار أو الربا أو الغش، أو مثل الشرائع الوضعية التي تسمح للدول الكبرى نهب ثروات الشعوب تحت أسماء مشروعة، مثل الانتداب، وتدوير الثروات النفطية، والأمن الصناعي وما أشبه .. إن الإثم إثم مهما تبدل الاسم أو شُرِعَ من أجله قانون.
والإثم يولد الدمار، سواء سميناه كذلك أم لا إِنَّ الَّذِينَ يَكْسِبُونَ الإِثْمَ سَيُجْزَوْنَ بِمَا كَانُوا يَقْتَرِفُونَ من الإثم في عاجل الدنيا وآجل الآخرة.
[١٢١] والإثم هو ما يشرعه الله لا ما يوحيه الشيطان. مثلًا: لا يجوز أكل الذبيحة التي لم يذكر اسم الله عليها حين تذبح لأنها فسق، يدل على حالة الانفصال بين الإنسان ومبادئه. ومثال آخر: الزعم بأن الدين محصور في المسجد، أما الحياة سواء منها ما يرتبط بالأكل والشرب، أو الزواج والطلاق، أو السياسة والاقتصاد، فإنها منفصلة عن الدين. إن كل ذلك فسق وشرك بالله، وذلك يعني أن هناك إلاهان ووليان وقائدان للبشر، أحدهما للمسجد والثاني للسوق.
وَلا تَأْكُلُوا مِمَّا لَمْ يُذْكَرْ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ وَإِنَّهُ لَفِسْقٌ والشياطين يجادلون في الحق، ويحاولون تمييع الواجبات وأن يقولوا: ما هو الفرق بين الذبيحة التي لم يذكر اسم الله عليها وبين الأخرى؟ دون أن يضعوا القضية في إطارها العام، ليعرفوا: أن ذلك مرتبط بكل سلوك البشر أن يكون سلوكاً توحيدياً فيقول قُلْ إِنَّ صَلاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَاي وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ [الأنعام: ١٦٢]. أو سلوكاً شركيًّا فيقول: إن صلاتي ونسكي لله ومحياي ومماتي لنفسي وَإِنَّ الشَّيَاطِينَ لَيُوحُونَ إِلَى أَوْلِيَائِهِمْ لِيُجَادِلُوكُمْ وَإِنْ أَطَعْتُمُوهُمْ إِنَّكُمْ لَمُشْرِكُونَ.
أولًا: لأن طاعة غير الله في حكم الشرك بالله.
ثانياً: لأن منهج الشياطين هو منهج الشرك، والفصل بين الدين والدنيا، بين الدين والسياسة، بين الجامع والجامعة، بين المسجد والسوق وهكذا.