روضة المتقين في شرح من لا يحضره الفقيه( ط- القديمة) - المجلسي، محمد تقى - الصفحة ١٥٥ - بَابُ ابْتِدَاءِ الْكَعْبَةِ وَ فَضْلِهَا وَ فَضْلِ الْحَرَمِ
.........
______________________________
فهلا ألقي عليهما أساور من ذهب؟ إعظاما للذهب و جمعه و احتقارا للصوف و لبسه[١].
و لو أراد الله سبحانه لأنبيائه حيث بعثهم أن يفتح لهم كنوز الذهبان و معادن العقيان[٢] و مغارس الجنان، و أن يحشر معهم طيور السماء و وحوش الأرض لفعل، و لو فعل لسقط البلاء و بطل الجزاء و اضمحل الإنباء، و لما وجب للقابلين أجور المبتلين و لا استحق المؤمنون ثواب المحسنين و لا لزمت الأسماء معانيها، و لكن الله سبحانه جعل رسله أولي قوة في عزائمهم و ضعفة فيما ترى الأعين من حالاتهم مع قناعة تملأ القلوب و العيون غنى و خصاصة تملأ الأبصار و الإسماع أذى، و لو كانت الأنبياء عليهم السلام أهل قوة لا ترام و عزة لا تضام و ملك تمتد نحوه أعناق الرجال و تشد إليه عقد الرحال، لكان ذلك أهون على الخلق في الاعتبار و أبعد لهم من الاستكبار و لآمنوا عن رهبة قاهرة لهم أو رغبة مائلة بهم، فكانت النيات مشتركة و الحسنات مقتسمة (أي لم تكن خالصة لله) و لكن الله سبحانه أراد أن يكون الاتباع لرسله، و التصديق بكتبه، و الخشوع لوجهه، و الاستكانة لأمره، و الاستسلام لطاعته أمورا، له خاصة لا تشوبها من غير شائبة و كلما كانت البلوى و الاختبار أعظم كانت المثوبة و الجزاء أجزل.
أ لا ترون أن الله سبحانه اختبر الأولين من لدن آدم عليه السلام إلى الآخرين من هذا العالم بأحجار لا تضر و لا تنفع و لا تبصر و لا تسمع (أي ظاهرا) فجعلها بيته الحرام الذي جعله الله للناس قياما، ثمَّ وضعه بأوعر بقاع الأرض حجرا، أو أقل نتائق الدنيا مدرا و أضيق بطون الأودية قطرا- بين جبال خشنة، و رمال دمثة، و عيون و وشلة و قرى منقطعة لا يزكو بها خف، و لا حافر و لا ظلف، ثمَّ أمر سبحانه آدم عليه السلام و ولده، أن يثنوا أعطافهم نحوه
[١] من هنا أورده الكافي في باب ابتلاء الخلق و اختبارهم بالكعبة خبر ٢ من كتاب الحجّ.