روضة المتقين في شرح من لا يحضره الفقيه( ط- القديمة) - المجلسي، محمد تقى - الصفحة ١٥٤ - بَابُ ابْتِدَاءِ الْكَعْبَةِ وَ فَضْلِهَا وَ فَضْلِ الْحَرَمِ
.........
______________________________
ألا فالحذر فالحذر من طاعة ساداتكم و كبرائكم الذين تكبروا عن حسبهم و ترفعوا فوق
نسبهم و ألقوا الهجينة على ربهم و جاحدوا الله على ما صنع بهم مكابرة لقضائه، و
مغالبة لآلائه، فإنهم قواعد أساس العصبية و دعائم أركان الفتنة و سيوف اعتزاء
الجاهلية فاتقوا الله و لا تكونوا لنعمه عليكم أضدادا و لا لفضله عندكم حسادا و لا
تطيعوا الإعياء الذين شربتم بصفوكم كدرهم، و خلطتم بصحتكم مرضهم، و أدخلتم في حقكم
باطلهم و هم أساس الفسوق و أحلاس العقوق اتخذهم إبليس مطايا ضلال، و جندا بهم يصول
على الناس، و تراجمة ينطق على ألسنتهم استراقا لعقولكم: و دخولا في عيونكم، و نفثا
في أسماعكم فجعلكم مرمى نبله و موطئ قدمه و مأخذ يده، فاعتبروا بما أصاب الأمم
المستكبرين من قبلكم من بأس الله و صولاته و وقائعه و مثلاته، و اتعظوا بمثاوي
خدودهم و مصارع جنوبهم و استعيذوا بالله من لواقح الكبر كما تستعيذون به من طوارق
الدهر، فلو رخص الله في الكبر لأحد من عباده لرخص فيه لخاصة أنبيائه و أوليائه و
لكنه سبحانه كره لهم التكابر و رضي لهم التواضع فألصقوا بالأرض خدودهم و عفروا في
التراب وجوههم و خفضوا أجنحتهم للمؤمنين و كانوا أقواما مستضعفين قد اختبرهم الله
بالمخمصة و ابتلاهم بالمجهدة و امتحنهم بالمخاوف و مخضهم بالمكاره فلا تعتبروا
الرضا و السخط بالمال و الولد جهلا بمواقع الفتنة و الاختبار في مواضع الغنى و
الإقتار فقد قال سبحانه و تعالى أَ يَحْسَبُونَ أَنَّما نُمِدُّهُمْ بِهِ مِنْ
مالٍ وَ بَنِينَ نُسارِعُ لَهُمْ فِي الْخَيْراتِ بَلْ لا يَشْعُرُونَ[١] فإن الله
سبحانه يختبر عباده المستكبرين في أنفسهم و أوليائه المستضعفين في أعينهم و لقد
دخل موسى بن عمران، و معه أخوه هارون صلى الله عليهما على فرعون، و عليهما مدارع
الصوف و بأيديهما العصي فشرطا له أن أسلم بقاء ملكه و دوام عزه فقال: أ لا تعجبون
من هذين يشرطان لي دوام العز و بقاء الملك و هما بما ترون من حال الفقر و الذل،
[١] المؤمنون- ٥٦.