روضة المتقين في شرح من لا يحضره الفقيه( ط- القديمة) - المجلسي، محمد تقى - الصفحة ١٥٢ - بَابُ ابْتِدَاءِ الْكَعْبَةِ وَ فَضْلِهَا وَ فَضْلِ الْحَرَمِ
.........
______________________________
أَجْمَعُونَ
إِلَّا إِبْلِيسَ) اعترضته الحمية فافتخر على آدم بخلقه و تعصب عليه لأصله،
فعدو الله إمام المتعصبين و سلف المستكبرين الذي وضع أساس العصبية و نازع الله
رداء الجبرية و أدرع لباس التعزز و خلع قناع التذلل، أ لا ترون كيف صغره الله
بتكبره، و وضعه الله بترفعه فجعله في الدنيا مدحورا و أعد له في الآخرة سعيرا.
و لو أراد الله سبحانه أن يخلق آدم من نور يخطف الأبصار ضياؤه و يبهر العقول رواؤه[١] و طيب يأخذ الأنفاس (من- خ) عرفه لفعل، و لو فعل لظلت له الأعناق خاضعة و لخفت البلوى فيه على الملائكة، و لكن الله- سبحانه- يبتلي خلقه ببعض ما يجهلون أصله تمييزا بالاختبار لهم و نفيا للاستكبار عنهم و إبعادا للخيلاء منهم. فاعتبروا بما كان من فعل الله بإبليس، إذ أحبط عمله الطويل و جهده الجهيد و كان قد عبد الله ستة آلاف سنة لا يدري أمن سني الدنيا أم من سني الآخرة عن كبر ساعة واحدة؟ فمن ذا بعد إبليس يسلم على الله بمثل معصيته؟ كلا- ما كان الله سبحانه ليدخل الجنة بشرا بأمر أخرج به منها ملكا، إن حكمه في أهل السماء و أهل الأرض لواحد، و ما بين الله و بين أحد من خلقه هوادة (أي قرابة) في إباحة حمى حرمه على العالمين، فاحذروا عباد الله عدو الله أن يعديكم بدائه و أن يستفزكم بندائه و أن يجلب عليكم بخيله و رجله.
فلعمري لقد فوق لكم سهم الوعيد، و أغرق لكم بالنزع الشديد، و رماكم من مكان قريب فقال:
رَبِّ بِما أَغْوَيْتَنِي لَأُزَيِّنَنَّ لَهُمْ فِي الْأَرْضِ وَ لَأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ[٢]) قذفا بغيب بعيد، و رجما بظن غير مصيب، صدقه به أبناء الحمية و إخوان العصبية و فرسان الكبر و الجاهلية حتى إذا انقادت له الجامحة منكم و استحكمت الطماعية منه فيكم، فنجمت (أي ظهرت) الحال من السر الخفي إلى الأمر الجلي، استفحل
[١] الرواء بالضم ماء الوجه و حسن المنظر يقال رجل له رواء( أقرب الموارد).