المواهب اللدنية بالمنح المحمدية - أحمد بن محمد القسطلاني - الصفحة ٥٨٨ - الفصل العاشر فى ذكر من وفد عليه- صلى اللّه عليه و سلم- و زاده فضلا و شرفا لديه
و قدم عليه- صلى اللّه عليه و سلم- وفد نصارى نجران [١]، فلما دخلوا المسجد النبوى بعد العصر حانت صلاتهم، فقاموا يصلون فيه، فأراد الناس منعهم فقال صلى اللّه عليه و سلم- دعوهم، فاستقبلوا المشرق فصلوا صلاتهم.
و كانوا ستين راكبا، منهم أربعة و عشرون رجلا من أشرافهم، و الأربعة و العشرون منهم ثلاثة نفر إليهم يئول أمرهم، العاقب، أمير القوم، و ذو رأيهم و صاحب مشورتهم و اسمه عبد المسيح. و السيد: صاحب رحلهم و مجتمعهم، و اسمه الأيهم- بتحتانية ساكنة- و يقال شرحبيل. و أبو حارثة بن علقمة أخو بكر بن وائل، قد شرف فيهم و درس كتبهم، و كانت ملوك الروم من أهل النصرانية قد شرفوه و مولوه، و كان يعرف أمر النبيّ- صلى اللّه عليه و سلم- و شأنه و صفته مما علمه من الكتب المتقدمة. و لكن حمله جهله على الاستمرار فى النصرانية، لما يرى من تعظيمه و وجاهته عند أهلها.
فدعاهم النبيّ- صلى اللّه عليه و سلم- إلى الإسلام، و تلا عليهم القرآن فامتنعوا، فقال:
«إن أنكرتم ما أقول فهلم أباهلكم» [٢].
و فى البخاري من حديث حذيفة، (جاء السيد و العاقب صاحبا نجران إلى رسول اللّه- صلى اللّه عليه و سلم- يريدان أن يلاعناه- يعنى يباهلاه- فقال أحدهما لا تفعل) [٣].
و عند أبى نعيم: أن القائل ذلك هو السيد، و عند غيره: بل الذي قال ذلك هو العاقب، لأنه صاحب رأيهم، و فى زيادات يونس بن بكير فى المغازى أن الذي قال ذلك هو شرحبيل.
(فو اللّه لئن كان نبيّا فلاعناه- يعى: باهلناه- لا نفلح نحن و لا عقبنا من بعدنا- زاد فى رواية ابن مسعود: أبدا- ثم قالا: إنا نعطيك ما سألتنا، و ابعث
[١] انظر «السيرة النبوية» لابن هشام (١/ ٥٧٣- ٥٧٤)، و ابن سعد فى «طبقاته» (١/ ٣٥٧)، و ابن القيم فى «زاد المعاد» (٣/ ٦٢٩).
[٢] انظر المصادر السابقة.
[٣] صحيح: أخرجه البخاري (٤٣٨٠) فى المغازى، باب: قصة أهل نجران.