المواهب اللدنية بالمنح المحمدية - أحمد بن محمد القسطلاني - الصفحة ٣٩٦ - غزوة مؤتة
بعثه- صلى اللّه عليه و سلم- لما رجع من هدم العزى، و هو- صلى اللّه عليه و سلم- مقيم بمكة، و بعث معه ثلاثمائة و خمسين رجلا، داعيا إلى الإسلام لا مقاتلا، فلما انتهى إليهم قال: ما أنتم قالوا: مسلمين قد صلينا و صدقنا بمحمد، و بنينا المساجد فى ساحاتنا.
و فى البخاري: لم يحسنوا أن يقولوا ذلك فقالوا صبأنا فقال لهم:
استأسروا فاستأسر القوم، فأمر بعضهم فكتف بعضا، و فرقهم فى أصحابه، فلما كان السحر، نادى منادى خالد: من كان معه أسير فليقتله، فقتلت بنو سليم من كان بأيديهم، و أما المهاجرون و الأنصار فأرسلوا أساراهم.
فبلغ ذلك النبيّ- صلى اللّه عليه و سلم- فقال: «اللهم إنى أبرأ إليك من فعل خالد» [١]. و بعث عليّا فودى قتلاهم.
قال الخطابى: يحتمل أن يكون نقم عليهم العدول عن لفظ الإسلام، لأنه فهم عنهم أن ذلك وقع منهم على سبيل الأنفة و لم ينقادوا إلى الدين، فقتلهم متأولا، و أنكر- صلى اللّه عليه و سلم- العجلة و ترك التثبت فى أمرهم قبل أن يعلم المراد من قولهم صبأنا.
ثم غزا- صلى اللّه عليه و سلم- حنينا [٢]- بالتصغير- و هو واد قرب ذى المجاز، و قيل:
ماء بينه و بين مكة ثلاث ليال، قرب الطائف، و تسمى غزوة هوازن.
و ذلك أن النبيّ- صلى اللّه عليه و سلم- لما فرغ من فتح مكة و تمهيدها، و أسلم عامة أهلها مشت أشراف هوازن و ثقيف بعضهم إلى بعض، و حشدوا و قصدوا محاربة المسلمين، و كان رئيسهم مالك بن عوف النصرى [٣].
[١] صحيح: أخرجه البخاري (٤٢٢٩) فى المغازى، باب: بعث النبيّ- رضى اللّه عنه- خالد بن الوليد إلى بنى جذيمة، من حديث عبد اللّه بن عمر- رضى اللّه عنهما-.
[٢] انظر هذه الغزوة فى «السيرة النبوية» لابن هشام (٢/ ٤٣٧- ٥٠٠)، و «الطبقات الكبرى» لابن سعد (٢/ ١٤٩- ١٥٨)، و الطبرى فى «تاريخه» (٣/ ١٢٥)، و ابن كثير فى «البداية و النهاية» (٣/ ٦١٠- ٦٥١)، و ابن القيم فى «زاد المعاد» (٣/ ٤٦٥- ٤٧٦)، و «شرح المواهب» للزرقانى (٣/ ٥- ٢٨).
[٣] بالصاد المهملة، نسبة إلى جده الأعلى نصر بن معاوية بن بكر بن هوازن، أما مالك نفسه فقد أسلم، و كان من المؤلفة، و صحب ثم شهد القادسية و فتح دمشق.