المواهب اللدنية بالمنح المحمدية - أحمد بن محمد القسطلاني - الصفحة ٣٩ - مقدمة المؤلف ٢٩ المقصد الأول تشريف اللّه تعالى له- صلى اللّه عليه و سلم
[تشريف اللّه تعالى له صلى اللّه عليه و سلم]
اعلم يا ذا العقل السليم، و المتصف بأوصاف الكمال و التتميم- وفقنى اللّه و إياك بالهداية إلى الصراط المستقيم- أنه لما تعلقت إرادة الحق تعالى بإيجاد خلقه، و تقدير رزقه، أبرز الحقيقة المحمدية من الأنوار الصمدية [١] فى الحضرة الأحدية، ثم سلخ منها العوالم كلها، علوها و سفلها، على صورة حكمه، كما سبق فى سابق إرادته و علمه، ثم أعلمه تعالى بنبوته، و بشره برسالته، هذا و آدم لم يكن إلا- كما قال، بين الروح و الجسد [٢]، ثم انبجست منه- صلى اللّه عليه و سلم- عيون الأرواح، فظهر بالملإ الأعلى، و هو بالمنظر الأجلى، فكان لهم المورد الأحلى، فهو- صلى اللّه عليه و سلم- الجنس العالى على جميع الأجناس، و الأب الأكبر لجميع الموجودات و الناس [٣].
و لما انتهى الزمان باسم الباطن فى حقه- صلى اللّه عليه و سلم- إلى وجود جسمه، و ارتباط الروح به، انتقل حكم الزمان إلى الاسم الظاهر، فظهر محمد صلى اللّه عليه و سلم- بكليته جسما و روحا، فهو- صلى اللّه عليه و سلم- و إن تأخرت طينته، فقد عرفت قيمته، فهو خزانة السر، و موضع نفوذ الأمر، فلا ينفذ أمر إلا منه، و لا ينقل خير إلا عنه:
ألا بأبى من كان ملكا و سيدا * * * و آدم بين الماء و الطين واقف
فذاك الرسول الأبطحى محمد * * * له فى العلا مجد تليد و طارف
أتى بزمان السعد فى آخر المدى * * * و كان له فى كل عصر مواقف
[١] عبارة غامضة، تكلفها الخلف، و لم ترد عن السلف.
[٢] صحيح: أخرجه الترمذى (٣٦٠٩) فى المناقب، باب: ما جاء فى فضل النبيّ- صلى اللّه عليه و سلم-، و الحاكم فى «مستدركه» (٢/ ٦٦٥)، من حديث أبى هريرة- رضى اللّه عنه-، و الحديث صححه الشيخ الألبانى فى «صحيح سنن الترمذى».
[٣] قلت كما تقدم، عبارات تكلفها الخلف، و لم ترد عن السلف.