المواهب اللدنية بالمنح المحمدية - أحمد بن محمد القسطلاني - الصفحة ٣٤٧ - غزوة خيبر
و نوقض أيضا بالإذن فى أكل الخيل، و لو كان رخصة لأجل المخمصة لكانت الحمر الأهلية أولى بذلك لكثرتها و عزة الخيل حينئذ، فدل على أن الإذن فى أكل الخيل إنما كان للإباحة العامة لا لخصوص الضرورة.
و قد نقل عن مالك و غيره من القائلين بالتحريم: أنهم احتجوا للمنع بقوله تعالى: وَ الْخَيْلَ وَ الْبِغالَ وَ الْحَمِيرَ لِتَرْكَبُوها وَ زِينَةً [١]. و قرروا ذلك بأوجه:
أحدها: أن اللام للتعليل، فدل على أنها لم تخلق لغير ذلك، لأن العلة المنصوصة تفيد الحصر. فإباحة أكلها تقتضى خلاف ظاهر الآية.
ثانيها: عطف البغال و الحمير، فدل على اشتراكها معهما فى حكم التحريم، فيحتاج من أفرد حكم ما عطف عليها إلى دليل.
ثالثها: أن الآية سيقت مساق الامتنان، فلو كان ينتفع بها فى الأكل لكان الامتنان به أعظم، و الحكيم لا يمتن بأدنى النعم و يترك أعلاها، و لا سيما و قد وقع الامتنان بالأكل فى المذكورات قبلها.
رابعها: لو أبيح أكلها لفاتت المنفعة بها فيما وقع به الامتنان من الركوب و الزينة.
و أجيب: بأن آية النحل [٨] مكية اتفاقا، و الإذن فى أكل الخيل كان بعد الهجرة من مكة بأكثر من ست سنين، فلو فهم النبيّ- صلى اللّه عليه و سلم- من الآية المنع لما أذن فى الأكل.
و أيضا: فاية النحل [٨] ليست نصّا فى منع الأكل و الحديث صريح فى جوازه.
و أيضا: فلو سلمنا أن اللام للتعليل، لم نسلم إفادة الحصر فى الركوب و الزينة، فإنه ينتفع بالخيل فى غيرهما، و فى غير الأكل اتفاقا، و إنما ذكر الركوب و الزينة لكونهما أغلب ما تطلب له الخيل. و نظيره حديث البقرة
[١] سورة النحل: ٨.