المواهب اللدنية بالمنح المحمدية - أحمد بن محمد القسطلاني - الصفحة ١٠٨ - ذكر رضاعه- صلى اللّه عليه و سلم
و لما دلت القواطع على ألّا تعذيب حتى تقوم الحجة أى قوله تعالى:
وَ ما كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا [١]، علمنا أنهم غير معذبين، فإن قلت قد صحت أحاديث بتعذيب أهل الفترة، كحديث «رأيت عمرو بن لحى يجر قصبه فى النار» [٢] و «رأيت صاحب المحجن فى النار، و هو الذي يسرق الحاج بمحجنه، فإذا بصر به، قال: إنما تعلق بمحجنى» [٣].
أجيب بأجوبة:
* أحدها: أنها أخبار آحاد فلا تعارض القطع.
* الثانى: قصر التعذيب على هؤلاء، و اللّه أعلم بالسبب.
* الثالث: قصر التعذيب المذكور فى هذه الأحاديث على من بدل و غير من أهل الفترة، بما لا يعذر به من الضلال كعبادة الأوثان و تغيير الشرائع. فإن أهل الفترة ثلاثة أقسام:
* الأول: من أدرك التوحيد ببصيرته، ثم من هؤلاء من لم يدخل فى شريعة، كقس بن ساعدة، و زيد بن عمرو بن نفيل. و منهم من دخل فى شريعة حق قائمة الرسم، كتبع [٤] و قومه من حمير و أهل نجران، و ورقة بن نوفل، و عمه عثمان بن الحويرث.
* القسم الثانى من أهل الفترة: و هم من بدل و غير، فأشرك و لم يوحد، و شرع لنفسه فحلل و حرم، و هم الأكثر، كعمرو بن لحى، أول من سن للعرب عبادة الأصنام و شرع الأحكام، فبحر البحيرة، و سيب السائبة،
[١] سورة الإسراء: ١٥.
[٢] صحيح: أخرجه البخاري (٣٥٢١) فى المناقب، باب: قصة خزاعة، و مسلم (٢٨٥٦) فى الجنة، باب: النار يدخلها الجبارون، و الجنة يدخلها الضعفاء، من حديث أبى هريرة رضى اللّه عنه-.
[٣] صحيح: أخرجه مسلم (٩٠٤) فى الكسوف، باب: ما عرض على النبيّ- صلى اللّه عليه و سلم- فى صلاة الكسوف من أمر الجنة و النار، من حديث جابر- رضى اللّه عنه-.
[٤] هو: تبع بن حسان بن تبان، قيل: اسمه مرثد، و هو أحد ملوك حمير فى اليمن.