بحوث فقهية هامة - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ٤٤٤ - أحدها لا ريب في أن الحياة الإنسانية حياة تقوم على المجتمع
و الطاقات، و تعاطي الأفكار بعضها ببعض، كما هو ظاهر، فالإنسان إذا عاش في غير المجتمع كان كأحد الحيوانات، و إنّما أعطاه الله الميل و التجاذب نحو هذا اللون من الحياة كي يحصل على هذه المنافع العظيمة، و الكمال اللائق بحاله في جانبيه المعنوي و المادي، و قد أكد الشارع المقدس الإسلامي على الاحتفاظ بهذا النوع من الحياة، و جعله كأصل ثابت، و كحجر أساسي في جميع أحكامه و قوانينه، كما لا يخفى على من سبر أحكام الإسلام بالدقة و التأمّل.
ثمّ من الواضح أن حياة الإنسان في المجتمع، على رغم شتى البركات و المنافع الضرورية، لا تخلو عن منافسات و اختلافات و منازعات، لا لغلبة الشهوات على الناس فحسب، بل لما يقع هناك من الخطأ في تشخيص الحقوق و حدودها، فلا بدّ لهم من قوانين تبين لهم ما يستحق كلّ واحد منهم، و ما هو طريق التخلّص من التزاحم و ردّ التعدي و التجاوز، و غير ذلك، و هذه القوانين بنفسها لا أثر لها في نفي هذه الأمور، حتّى يكون هناك من ينفذها و يجريها، و لا يتحقق ذلك إلّا بقيام الحكومة و لو بشكل بسيط.
و لذا اتّفق المتكلمون من أصحابنا و غيرهم، على أن الإمامة واجبة بين المسلمين إلّا ما قد يحكى عن أبي بكر الأصم من العامّة أنها غير واجبة، إذا تناصفت الأمة و لم تتظالم، و هو شاذ جدّاً [١].
و كذا اتفق العقلاء من جميع الأمم على ضرورة الحكومة للمجتمعات البشرية عدا ما يلوح من الشيوعيين من عدم لزومها بعد تحقّق التكامل لأبناء البشر، و بعد طرد النظام الطبقي فإن الحكومة إنّما شرّعت لحفظ مصالح الطبقة الحاكمة، فإذا انتفى هذا النظام انتفت الحكومة.
[١] حكاه ابن أبي الحديد في شرح نهج البلاغة: ج ٢ ص ٣٠٨.