بحوث فقهية هامة - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ٤٩٤ - ٢- الاستشارة في أموره
و الأمر بالقتل و إن كان للأمور الثّلاثة و هو تفريق الجماعة، و غصب الخلافة و ترك المشورة أجمع، و لكن عد ترك المشورة منها دليل على شدّة اهتمامه (صلى الله عليه و آله) بهذا الأمر، بل قد يكون هو العلّة في تفريق الجماعة و غصب أمر الأمّة كما لا يخفى على الخبير.
فتلخص ممّا ذكرنا: أن المشورة للولي الفقيه ليست من قبيل المستحبات بل من أوجب الواجبات، لما عرفت من أنه الطريق الوحيد إلى تشخيص مصالح الأمّة غالباً، التي ليس للفقيه أن يتعداها، مضافاً إلى ما عرفت من الأوامر المؤكدة في ذلك في الكتاب و السنّة التي ظاهرها الوجوب في الجملة.
و من هنا تظهر حكمة تأسيس مجلس النواب في الحكومة الإسلامية و أنه قد تكون مصلحة الأمّة في انتخاب الممثلين من الناس لمشاركتهم في كشف موارد الأحكام و موضوعاتها، و ما يكون الصالح و الأصلح لهم، و معاضدتهم للفقيه الوالي، بل قد يكون تركه لذلك مظنّة للهلاك و اتهامه بالاستبداد و الاستقلال في الرأي، و يوجب انفضاض الأمّة من حوله، مع ما في تركه من أنواع الخطأ في تطبيق الأحكام على صغرياتها، فتركه لهذا الأمر مخالف لمراعاة الغبطة المفروضة عليه و ينافي عدالته و ولايته.
و هذا هو العمدة في مشروعية مجلس النواب و الرجوع إلى آرائهم، و الأخذ بها عند تقنين القوانين، فآراؤهم يؤخذ بها في طريق تطبيق كبريات أحكام الشرع على صغرياتها، و تعيين الموضوعات العرفية و تشخيص الصالح و الأصلح فيما توقف الأمر عليه، لا في تشريع الأحكام، لأنه خارج عن اختيارهم، بل و خارج عن اختيار الفقيه، قال الله تعالى (إِنِ الْحُكْمُ إِلَّا لِلَّهِ أَمَرَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ) [١].
[١] يوسف: ٤٠.