بحوث فقهية هامة - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ١٩١ - أدلّة المانعين عن حجيّة علم القاضي
و الثاني مبنيٌّ على كون موضوع الحكم خصوص من أظهر الكفر، و هو مخالفٌ لظاهر الإطلاقات الدالّة على إناطة الحكم بالكفر و الإيمان الواقعيين، الظاهرة في عدم دخالة العلم و الجهل و الظهور و التبطن فيها، فتأمّل.
و الأولى في الجواب أن يقال: أوّلًا: هذا مبنيٌّ على كون العلم الحاصل من مصادر الغيب ملاكاً للأحكام، و هو غير ثابت بل الثابت خلافه. فلو علم الإنسان من الطرق العادية بأنّ هذا الرجل كافرٌ أو فاسقٌ أو هذا الطعام حرامٌ أو نجسٌ، يجري عليه أحكامه. أمّا لو حصل هذا العلم له من مصادر الغيب فلا يجري عليه أحكامه.
و بعبارة أخرى مدار التكليف إنّما هو على العلم الحاصل من الأسباب العادية، لا من طريق علم الغيب بتعليم إلهيٍّ و شبهه. فلو علم النبي (صلى الله عليه و آله) أو الإمام (عليه السلام) من هذا الطريق بكفر أبي سفيان مثلًا أو فسق فلان، أو قتل فلان بيد فلان لا يترتّب عليه أحكامه، و إلّا لم يستقر حجرٌ على حجر؛ لعلمهم بجملة من الغيوب لو لم نقل بكلّها- بإذن الله تبارك و تعالى.
و بهذا نجيب على الإشكال المعروف بأنّ عليّاً (عليه السلام) كان يعلم أنّه لو ذهب إلى المسجد لضربه ابن ملجم، أو أنّ الحسن (عليه السلام) كان يعلم أنّ ماء الكوز مخلوطٌ بالسمّ، إلى غير ذلك من أشباهه- مع ما ورد في الأخبار عن علمهم (عليهم السلام) بكثير من قبيل هذه الأمور [١].
فنقول: حرمة إلقاء النفس في التهلكة إنّما هي فيما علم من الطرق العادية، أمّا إذا
[١] أضف إلى ذلك أنّ مسألة علم الإمام الحسين الشهيد (عليه السلام) بكثير من قضايا كربلاء أو جميعها هي مسألة أخرى؛ لأنّه لو كان يعلم ذلك من الطرق العادية أيضاً، وجب عليه الذهاب إليه و تضحية نفسه الشريفة لما هو أهمّ كحفظ الإسلام و نجاته من أيدي بني أُميّة، كما في سائر موارد الجهاد الواجبة.