بحوث فقهية هامة - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ٣٢ - شبهة عدم الإسراف في الحجّ
أكثر، فهل يرضى الشّارع الحكيم بمثل هذا الإسراف الفاحش؟! و ما الدليل على خروجه عن محكمات الآيات و الروايات الواردة في حرمة الإسراف و التبذير حتّى في النواة و فضل ماء الشرب؟
فإن قيل: لا إشكال في ذلك إذا كان في طريق إطاعة أمر الله.
قلنا: هذه مصادرة على المطلوب، فإنّ تعلّق الأمر به ممنوع جدّاً، كما عرفت فيما سبق، مع أنّ كونه من المصاديق العرفية للإسراف و التّبذير ممّا لا ريب فيه، فتشمله إطلاقاتهما حتماً.
و الخلاصة: أنّ قوة إطلاقات أدلة الإسراف و التبذير و استحكامها تكون إلى حدّ تحوي في دائرتها أخسّ الأشياء فضلا عن تضييع المئات و الآلاف من نعم الله تعالى.
شبهة عدم الإسراف في الحجّ
فإن قيل: قد ورد في بعض الرّوايات أنّه لا إسراف في الحج، و هو ما رواه ابن أبي يعفور في الصحيحة عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: قال رسول الله (صلى الله عليه و آله)
«ما من نفقة أحبّ إلى الله عزّ و جل من نفقة قصد، و يبغض الإسراف إلّا في الحج و العمرة، فرحم الله مؤمناً اكتسب طيّباً و أنفق من قصد أو قدّم فضلا»
[١].
قلنا: لا شكّ في أنّ المستفاد من مثل هذه الرواية ليس هو تضييع المال بطرحه أو إحراقه أو دفنه أو تهيئة طعام خمسين شخصاً مثلا لعشرة أشخاص بحيث يطرح الزائد و يفسد و لو كان في الحجّ، بل الظاهر منها بسط اليد في الإنفاق ببذل الزاد و تهيئة الهدايا للأقرباء و الأصدقاء؛ و الشاهد على ذلك:
أوّلا: نفس ما ورد في الرواية من تقابل الإسراف و القصد في النفقة، فإنّه شاهد
[١] الوسائل: الباب ٥٥ من أبواب وجوب الحج، ح ١.