بحوث فقهية هامة - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ٤٩٣ - ٢- الاستشارة في أموره
فقال تعالى (فَبِما رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ وَ لَوْ كُنْتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ فَاعْفُ عَنْهُمْ وَ اسْتَغْفِرْ لَهُمْ وَ شاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ فَإِذا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَوَكِّلِينَ) [١].
إن المشورة مع الناس من أسباب جلب القلوب و مشاركتهم للوالي في الأمور، و اجتماعهم حوله و عدم انفضاضهم عنه، و ليست مشاورة النبي (صلى الله عليه و آله) معهم (و إن كان عالماً بالأمور بتعليم الله) أمراً صورياً ظاهرياً، لما في نفس هذا الأمر من المصالح كما قد يتوهم، بل ظاهر قوله تعالى «فَإِذا عَزَمْتَ» أن عزمه كان بعد الشورى.
و الروايات في الحث على هذا الأمر كثيرة جدّاً ربّما تبلغ حدّ التواتر، و كفاك في ذلك ما يلي:
الأولى- ما ورد في نهج البلاغة من قول أمير المؤمنين (عليه السلام)
«و الاستشارة عين الهداية و قد خاطر من استغنى برأيه»
[٢].
فقد جعل الاستشارة عين الهداية، لا طريقاً إليها! و هذا من أبلغ البيان لفوائد المشاورة، ثمّ أكده بقوله: إنّ الاستبداد سبب الخطر و مبدئه.
الثّانية- قول رسول الله (صلى الله عليه و آله) فيما روى الإمام علي بن موسى الرضا (عليهما السلام) عنه (صلى الله عليه و آله) كما في العيون
«من جاءكم يريد أن يفرق الجماعة، و يغصب الأمّة أمرها، و يتولى من غير مشورة فاقتلوه فإن الله قد إذن ذلك»
! [٣].
الثّالثة- ما رواه بعض الصحابة قال: ما رأيت أحداً قط أكثر مشورة لأصحابه من رسول الله [٤].
[١] آل عمران: ٥٩.
[٢] نهج البلاغة: الحكمة ٢١١.
[٣] عيون أخبار الرضا (عليه السلام): ج ٢ ص ٦٢.
[٤] السنن الكبرى للبيهقي: ج ٩ ص ٢١٨.