بحوث فقهية هامة - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ٤٣٨ - المقام الرّابع من صلاحيات الفقيه «إقامة فريضة الأمر بالمعروف و النهي عن المنكر»
و إن شئت قلت: يقع التعارض بين أدلّة وجوبهما و أدلة حرمة إيذاء المؤمن و جرحه و قتله، بل هو من قبيل التزاحم، و من المعلوم أن مقتضى القاعدة في المتزاحمين الأخذ بالأهم.
و من هنا يظهر الحال في المقام الثّاني، و أنه يجب الأيسر، فما دامت المواعظ الحسنة مؤثرة لا يجوز الإنكار بالكلمات الخشنة، و ما فيه هتك و تحقير و إيذاء، و ما دامت هذه مؤثرة فلا تصل إلى مرحلة الضرب، و قد يكون الضرب أهون من بعض الكلمات الخشنة، و هكذا الحال في الإقدام على الجرح أو الكسر أو القتل، و يتفاوت جميع ذلك بحسب الأشخاص و المقامات.
و الدليل عليه (و إن كان بعض كلماتهم مطلقة و ظاهرة في عدم الترتب) ما عرفت من التزاحم بين أدلّة وجوبهما و أدلّة حرمة الإيذاء و اللازم الأخذ بالأهم، و كذا بالأيسر ثمّ الأيسر.
مضافاً إلى ما يظهر من الآية الشريفة في قتال طائفتين من المؤمنين فقد قال سبحانه (وَ إِنْ طائِفَتانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُما فَإِنْ بَغَتْ إِحْداهُما عَلَى الْأُخْرى فَقاتِلُوا الَّتِي تَبْغِي حَتَّى تَفِيءَ إِلى أَمْرِ اللَّهِ) [١].
فقد ذكر فيها الإصلاح أولًا ثمّ القتال إذا لم ينفع الإصلاح.
و كذا ما يظهر من بعض الروايات السابقة الظاهرة في الترتب.
و العجب من بعض أعاظم العصر حيث ذكر في بعض كلماته أن الترتيب غير مذكور في روايات الباب، و ما أفيد من أن النسبة بينها و بين أدلّة حرمة الإيذاء عموم من وجه، منظور فيه، فإن أنحاء الأمر و النهي ذكر فيها بالواو الظاهرة في عدم الترتيب، و ليس من قبيل العموم، و أمّا الاستشهاد بالآية الشريفة فيشكل
[١] سورة الحجرات: ٩.