بحوث فقهية هامة - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ٥٠٨ - ٣- دور العناوين الثّانوية في حياة الفقه الإسلامي و ازدهاره
تنطبق على مراداتهم، فالإسلام يجعل قوانينه ثابتة و مع ذلك يقضي بها حوائج الناس في جميع أقطار العالم و جميع الأعصار، و هذه مسألة مهمّة عجيبة.
و قد فاز الإسلام في هذا الميدان فوزاً عظيماً، و السرّ فيه مضافاً إلى أن واضع القانون هنا هو الله، العالم بالسرائر، و الواقف على الضمائر، و هو الخالق للإنسان الخبير بحاجاته المادية و المعنوية، فإن في الإسلام أصولًا كلية، و قوانين جامعة، لها شمول كثير، و دوائر واسعة، و خطوط عريضة، تزدهر زماناً بعد زمان، و تتغير مصاديقها و تبقى ذواتها، مثل «أَوْفُوا بِالْعُقُودِ» و «المؤمنون عند شروطهم»، و «ما حكم به العقل حكم به الشرع» و غيرها من أشباهها.
أضف إلى ذلك، القواعد الكثيرة المشتملة على العناوين الثّانوية مثل «قاعدة لا ضرر» و «قاعدة لا حرج» و «الضرورة» و «لزوم ما يتوقف عليه حفظ النظام»، و «قاعدة الأهم و المهم عند تزاحم المصالح» و أشباهها.
فكم من مشكلة عظيمة انحلت بفضلها، و كم من عويصة غامضة مظلمة انكشفت في ضوء أنوارها، فأحكام العناوين الثّانوية من أهم أسباب الحكومة الإسلامية لحلّ المعضلات.
و لكن هنا أمران يجب التنبيه عليهما، و التحذير منهما كلّ الحذر.
الأول: أنه ليس معنى هذا الكلام، اتباع الأهواء و الجري على وفق جريان الماء و أخذ الأحكام الأولية كشمعة يصنع بها ما يشاء، و يتلاعب بها كيف يراد.
بل لا بدّ من الدقّة، و كمال الدقّة، في كشف مصاديقه و الأخذ بما هو مقتضى الحزم و الاحتياط فيها، فإن الأمر هنا صعب مستصعب، و قد خفي على بعض من لا خبرة له بالفقه حتّى أصبحت أحكام الله تعالى تابعة لميولهم، رغم حكم الإسلام بوجوب الخضوع لأحكام الله تعالى، و قوله تعالى (فَلا وَ رَبِّكَ لا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيما