بحوث فقهية هامة - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ١٠٨ - المقام الرّابع هل يتحقّق الإنشاء بالكتابة؟
كبيرة عندهم و حيث إنها أضبط و أمتن من الألفاظ فلا يدور رحى المعاملات الخطيرة عندهم إلّا عليها.
و من الواضح أن الموضوعات أمرها بيد العرف و إنّما تؤخذ الأحكام من الشرع، فلو رتب الشارع المقدس وجوب الوفاء على العقد و كان هناك عقد معتبر عند العقلاء كان داخلًا في عموم هذا الحكم، و إن كان عقداً مستحدثاً لم يكن في سابق الأزمنة، و هكذا أسباب الإنشاء، و هذا أمر ظاهر لا غبار عليه و لا يعتريه الشكّ.
إن قلت: إن عناية العقلاء بأمر الكتابة ليست لإنشاء العقود بنفس الكتابة بل لضبط نتيجة الإنشاء اللفظي و تثبيت حاصل العقود التي أجريت صيغها بالألفاظ نظير ما ورد في كتابة الديون في آية سورة البقرة في كتاب الله.
قلت: كلّا، بل الإنشاء يقع بنفس ذاك التوقيع و الإمضاء، و الشاهد عليه أنه قبل الإمضاء في سند البيع و الإجارة و غيرهما يمكنه أي تغيير في المعاملة، بل تركها من أصلها و لكن بمجرّد الإمضاء من الجانبين يتم أمرها و لا يبقى للعدول و التغيير و الإبطال و الفسخ مجال أصلًا إلّا بأسبابها الخاصّة، و هذا أوضح شاهد على أن الإنشاء لا يكون إلّا بالتوقيع و الإمضاء.
هذا مضافاً إلى ما نجده بالوجدان فيما هو المتعارف في الخارج أنه لا يكون هناك صيغة كلامية و إنشاء لفظي في هذه المعاملات غالباً بل لا يكون قبل إمضاء الأسناد و التوقيع عليها إلّا مقاولات غير رسمية، و هذا أمر ظاهر لكلّ من راجع ديدنهم في هذه الأبواب.
فالقول بأن الإنشاء في هذه الأسناد يقع باللفظ قبل الكتابة أمر مخالف للوجدان و مباين للمحسوس و المقطوع.