بحوث فقهية هامة - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ٢٩٨ - الفرع الأوّل الإماتة إشفاقاً و رحمة بالمريض
فتحصّل: أنّ هذه الأدلّة لا دليل على تخصيصها أو تقييدها فتبقى على إطلاقها أو عمومها، و مجرّد العسر و الحرج الشديد لا يبرّر القتل، فلا يجوز قتل الغير رحمة و إرفاقاً، بل لا يجوز له قتل نفسه لذلك.
و لو أقدم الطبيب على إماتة المريض أو تسريع موته فهل يعدّ قاتلًا يجوز أن يقتصّ منه أو تؤخذ منه الدية، أم لا يكون شيء منهما؟
للمقام مسألة معروفة مشابهة منصوصة في كلمات الفقهاء، و هي: أنّه لو قال إنسان سليم لآخر: اقتلني و إلّا قتلتك، لم يجز قتله؛ لأنّ الإذن لا يرفع الحرمة، و لكن لو أثم و قتله لم يجب القصاص عند الشيخ في المبسوط و العلّامة في بعض كتبه و الشهيد الثاني في المسالك على ما حكي عنهم ذلك، مستدلّين عليه بأنّ المقتول أسقط حقّه بالإذن فليس للوارث حقّ القصاص، و فرّع في الجواهر على هذا القول عدم وجوب الدية أيضاً؛ لأنّها ملك للميّت أوّلًا و بالذات، و من ثمّ تنتقل إلى الوارث، و لذا تؤدّى منها ديونه، فالمقتول بإذنه أسقط حقّه.
و لكن ناقشه في ذلك كلّه في الجواهر، و مال إلى الحكم بالقصاص أو الدية على فرض عدمه [١].
و الإنصاف أنّ شمول أدلّة القصاص و الدية للمقام لا يخلو عن إشكال، لدرء القصاص بالشبهات كالحدود، و أنّ الأصل في الدية البراءة.
إن قلت: لا يصحّ حمل المقام على تلك المسألة؛ لأنّ المفروض هناك إكراه المقتول للقاتل بقوله: اقتلني و إلّا قتلتك، و ليس في المقام إكراه بل هو يطلب من الغير و يرجوه قتله، فلا يجوز قياس إحداهما على الأخرى.
قلت: ليست المسألة منصوصة بنصّ خاصّ حتّى يستند إلى عدم جواز القياس، بل الذي استند إليه في الحكم بعدم ثبوت القصاص أو الدية هو إذن المقتول فلا
[١] انظر جواهر الكلام: ج ٤٢ ص ٥٣- ٥٤.