بحوث فقهية هامة - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ٤٩١ - ١- مراعاة مصالح الأمّة
و يتحصل من جميع ذلك أنه ليس الوالي و الحاكم على المسلمين (و هو الفقيه) كالمولى للعبيد، و المالك بالنسبة إلى المملوك، بل و لا كالولي على الصغار، أو الابن مع الابن حتّى يكون داخلًا في قوله «أنت و مالك لأبيك»، (مع أنا ذكرنا قبل ذلك أن الأب أيضاً لا يجوز له إلّا لحاظ مصالح ابنه، و إن الحديث المعروف حكم أخلاقي يبين وظيفة الكبار من الأولاد في تجاه أبيهم لا أن له حقّ التصرّف المطلق في أموالهم و أنفسهم كيف يشاء) بل هو كالمتولي في الأوقاف العامّة و الخاصّة أو كوكيل إلهي لهم، يتصرف بما هو مصلحة الموقوف عليهم و الوقف، و مصالح الموكل، فليس للفقيه التصرّف إلّا بما فيه مصلحة العباد و البلاد.
و يؤيد ذلك كلّه ما ذكروه في علم الكلام في باب وجوب نصب الإمام بعد النبي (صلى الله عليه و آله)- كما ذكره العلّامة في شرح كلام المحقّق الطوسي- قال: إن الإمام لطف و اللطف واجب، أمّا الصغرى فمعلومة للعقلاء، إذ العلم الضروري حاصل بأن العقلاء متى كان لهم رئيس يمنعهم عن التغالب و التهاوش و يصدهم عن المعاصي و يعدهم و يحثهم على فعل الطاعات و يبعثهم على التناصف و التعادل، كانوا إلى الصلاح أقرب و من الفساد أبعد و هذا أمر ضروري لا يشكّ فيه العاقل [١].
فإذا كان الإمام المعصوم كذلك فما ظنّك بغير المعصوم مع أنه يظهر من غير واحد من الروايات الآخر- كما عرفت سابقاً- أنهم مالكون للأرض و ما فيها بل الدنيا ملك لهم، و مع ذلك لم نرَ منهم في عصر حكومتهم على الناس- عند بسط أيديهم و عند قبضها- إلّا العمل بما هو خير و صلاح الأمّة، لا ما هو صلاح لأنفسهم، فالفقيه أولى بذلك.
[١] شرح تجريد الاعتقاد: ص ٢٨٤ من طبعة مكتبة المصطفوي.