بحوث فقهية هامة - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ١٣ - دفع شبهة تعدّد المطلوب
قلنا: لازم هذا الاستنباط عدم لزوم إراقة الدم، و عدم وجوب الأضحية أيضاً (لأنّها تقول (لَنْ يَنالَ اللَّهَ لُحُومُها وَ لا دِماؤُها)) و هو خلاف المطلوب، فالصحيح أن يقال: إن المقصود في الآية الشريفة أنّ قيمة إراقة الدم و صرف المضحّي لحومها لنفسه و لغيره، إنّما هي في ما إذا كانت الأضحية ملازمة لقصد القربة و خلوص النيّة، فهو نظير ما إذا قلنا: إنّ قيامكم أو قعودكم في الصلاة ليس بمهمّ، إنّما المهم هو إخلاص النية و قصد التقرب إلى الله تعالى. و نظير الآية المزبورة (أي قوله (وَ الْبُدْنَ جَعَلْناها لَكُمْ.)) في الدلالة على لزوم الصرف و موضوعية الاستفادة من اللحوم آية أخرى من سورة الحج و هي (وَ أَذِّنْ فِي النَّاسِ بِالْحَجِ. لِيَشْهَدُوا مَنافِعَ لَهُمْ وَ يَذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ فِي أَيَّامٍ مَعْلُوماتٍ عَلى ما رَزَقَهُمْ مِنْ بَهِيمَةِ الْأَنْعامِ فَكُلُوا مِنْها وَ أَطْعِمُوا الْبائِسَ الْفَقِيرَ.) [١] حيث إنّه لو سلمنا أنّ صيغة «فَكُلُوا» في هذه الآية في مقام دفع توهّم الحظر من أكل المضحيّ (و لازمه عدم دلالتها على الوجوب كما قال به الكثير من الفقهاء و المفسرين) فلا إشكال في دلالة «أَطْعِمُوا» على وجوب صرف اللحوم في الفقراء، كما تدلّ عليه الروايات الواردة في أبواب الذبح أيضاً، و أنّه أمر واجب بعد الذبح مرتبط به لا ينفك عنه بحسب ظاهر الآيات، بل الذبح مقدّمة له.
دفع شبهة تعدّد المطلوب
إن قيل: لعلّ المسألة من قبيل تعدّد المطلوب، فكانت إراقة الدم في منى أمراً مطلوباً، و صرف اللحوم في المصارف المنصوصة مطلوباً آخر، فإذا لم يقدر المكلّف
[١] الحج: ٢٧- ٢٨.