بحوث فقهية هامة - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ٣٣ - شبهة عدم الإسراف في الحجّ
قطعي على أنّ المقصود من الإسراف هو النفقة من غير قصد و اعتدال، أي إكثار النفقة و بسط اليد فيها، لا تضييع المال و إفساده، فهل يفتي فقيه بجواز أن يحمل زائر بيت الله الحرام عشرة دوابّ مع أنّه يركب واحداً منها، فيطرح الزائد و يتركه في الطريق حتّى يموت و يتلف، أو يحمل مئونة عشر نفرات مع حاجته إلى مئونة فرد واحد، فيلقي ما زاد منها في مكّة أو المدينة في المزابل حتّى يتضيّع و يفسد.
و ثانياً: ما ورد في آداب السفر عموماً من استحباب بذل الزاد و إنّه من المروّة [١]. و في آداب سفر الحجّ خصوصاً من أنّ
«هديّة الحاجّ من نفقة الحاجّ»
[٢] و
«هديّة الحجّ من الحجّ»
[٣] و
«إنّ إكثار النفقة في الحجّ فيه أجر جزيل»
[٤] و
«نفقة درهم في الحجّ أفضل من ألف ألف درهم في غيره في البرّ»
[٥] فإنّ جميعها تشهد على أنّ المقصود من الإسراف في الحج إنّما هو هذا القبيل من الصلات و الإنفاقات و الهدايا [٦] لا إحراق ملايين من الشياه و البقر و الإبل.
و ثالثاً: يشهد لما ذكرنا ما ورد في ذيل نفس الرواية المبحوث فيها فإنّ قوله
«فرحم الله مؤمناً اكتسب طيّباً و أنفق من قصد أو قدّم فضلا»
يقتضي دوران أمر نفقات الحاجّ بين القصد و تقديم الفضل، و الأوّل هو ملاحظة الاعتدال، و الثاني هو
[١] الوسائل: راجع أبواب آداب السفر الباب ٤٩.
[٢] الوسائل، أبواب وجوب الحج، الباب ٥٤، ح ٢.
[٣] الوسائل: أبواب وجوب الحج، الباب ٥٤، ح ١.
[٤] مستدرك الوسائل: الباب ٣٤ من أبواب وجوب الحج، ح ١.
[٥] مستدرك الوسائل: الباب ٢٧ من أبواب وجوب الحج، ح ١.
[٦] و من الطريف جداً أنّ المستفاد من بعض الروايات كون تهيئة الهدايا و إكثار النفقة في الحج أيضاً محدود بحدود و قيود، فقد روي عن شهاب بن عبد ربّه أنّه قال
«قلت لأبي عبد الله (عليه السلام) قد عرفت حالي و سعة يدي و توسّعي على إخواني فأصحب النفر منهم في طريق مكّة فأوسّع عليهم، قال: لا تفعل يا شهاب، إن بسطت و بسطوا أجحفت بهم، و إن هم أمسكوا أذللتهم، فاصحب نظراءك اصحب نظراءك»
(أبواب آداب السفر الباب ٣٣، ح ١).