بحوث فقهية هامة - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ٥٤٨ - الرّابع- التفويض في أمر الخلقة
«ثانياً»: قد ورد التصريح في الروايات الكثيرة التي مرّ ذكرها أن تفاصيل الأحكام قد شرعت في عصر النبي (صلى الله عليه و آله) حتّى أرش الخدش، و أنها كانت عند الأئمّة الهادين في كتاب يسمى جامعة أو غيرها، و مع هذا التصريح لا يبقى لهذا الكلام مجال، و كذا ما ورد في الروايات المتضافرة أن كلّ ما يجري من الأحكام على لسان الأئمّة المعصومين (عليهم السلام) فهو رواية عن رسول الله (صلى الله عليه و آله) (و قد مرّ ذكر جميع ذلك آنفاً).
«ثالثاً»: كيف يتصدى الفقيه لتشريع الأحكام الكلّية؟ و في أي موضع؟ هل هو في ما لا نصّ فيه، و قد عرفت أنه ليس هناك ما لا نصّ فيه، أم في ما هو فيه نصّ، كما قد يتفوه به بعض من لا خبرة له. فإن كان المراد ذلك فمعناه أن تشريع الفقيه- معاذ الله- مقدّم على تشريعات الله تعالى، و حينئذ أي فائدة في إرسال الكتب السماوية و بعث الرسل؟ بعد كون الفقيه ذا رأي مقدّم عليها؟ و صاحب علم بالمصالح و المفاسد أرجح منها، و لا نظن بأحد من العلماء يتفوّه بهذا المقال الباطل الفاسد.
الرّابع- التفويض في أمر الخلقة
و لا إشكال أيضاً في بطلانه، إذا كان المراد التفويض الكلّي بمعنى أن الله خلق رسول الله (صلى الله عليه و آله) و الأئمّة المعصومين و جعل أمر خلق العالم و نظامه و تدبيره إليهم، فإنه شرك بيّن. و مخالف لآيات القرآن المجيد، الظاهرة، بل الصريح في أن أمر الخلق و الرزق و الربوبية و تدبير العالم بيد الله تعالى لا غيره.
نعم يظهر من بعض كلمات العلّامة المجلسي معنى آخر للتفويض الكلّي بمعنى جريان مشية الله على الخلق و الرزق مقارناً لإرادتهم و مشيتهم، و أنه لا يمنع العقل من ذلك، و لكن صرّح بأن ظاهر الأخبار بل صريحها بطلان ذلك، و لا أقل من أن القول به قول بما لا يعلم.