بحوث فقهية هامة - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ٥٠٩ - ٣- دور العناوين الثّانوية في حياة الفقه الإسلامي و ازدهاره
شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجاً مِمَّا قَضَيْتَ وَ يُسَلِّمُوا تَسْلِيماً) [١].
و قد سمعنا أنه أتت بعض النساء من العوام إلى القاضي تدّعي العسر و الحرج في البقاء مع زوجها و تطلب الطلاق بذرائع واهية (مثل أن زوجها له عادة سيئة عند الأكل و الشرب أو في الملبس و المشرب أو غير ذلك).
فلا بدّ للفقيه أن يصمد تجاه هذه الأهواء التي قد تفرغ الإسلام من محتواه، فالإفراط باطل، كما أن التفريط و ترك التمسّك بهذه العناوين لحلّ المعضلات العديدة الاجتماعية بدعوى التقدس و الاحتياط أيضاً من أهواء الشيطان و مكائده.
الثّاني: أن بعض العناوين الثّانوية ممّا تختص بحالة الضرورة و شبهها لا يمكن الأخذ بها في كلّ حال و جعلها كقانون مستمر في حال الاختيار، و لا يمكن بناء أكثر أحكام الشرع عليها و حلّ جلّ المشكلات بها. بل لا بدّ من اللجوء إلى العناوين الأولية و القوانين المتخذة منها فإنها العمدة في حلّ المعضلات الاجتماعية، و لو بذلنا الجهد في هذا السبيل لظفرنا بالمقصود قطعاً، ثمّ نأخذ من العناوين الثّانوية لحالات خاصّة و ظروف معيّنة.
و الحاصل أن القول بأنه لا تدور رحى المجتمعات البشرية اليوم إلّا مدار عناوين الضرورة و الاضطرار، و الضرر و الضرار، قول فاسد، و مفهومه أن حياة الإسلام و قوانينه (نعوذ بالله) قد انقضت، و دورها قد انتهى، فيكون كالمريض الذي لا تستمر حياته إلّا بالتغذية عن طريق وريده فقط.
نعم لا شكّ أنه قد يكون في عمر الإنسان ساعات لا يمكن التحفظ على حياته إلّا بهذا الطريق، و لكن لو أن إنساناً لا يعيش أبداً إلّا بهذا الأسلوب، و لا يقدر مدى حياته على التغذية كما هو المتعارف، ففي الحقيقة قد تمت حياته و انقضت أيّامه، و لم
[١] النساء: ٦٥.