بحوث فقهية هامة - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ٣٩٥ - ٢- الموضوعات العرفية غير المستنبطة، و هي على قسمين
و قسم آخر الموضوعات العرفية الخفية ممّا تحتاج في فهمها و فهم مصاديقها إلى دقة النظر، و سلامة الذوق، و الممارسة و الإحاطة بهذه الأمور، فهذا أيضاً يرجع المقلّد فيه إلى مجتهده، و كثير من المسائل الفرعية في الكتب الفقهية و الرسائل العملية من هذا القبيل، فليس فيها كشفاً لحكم شرعي، و استنباطاً من الأدلة الشرعية، بل يكون من قبيل تطبيق الكلي على أفراده، و تعيين الموضوعات الخفية و لو لم يجز التقليد في أمثالها كان ذكر هذه الفروع في الرسائل العملية لغواً بل إغراءً بالجهل.
مثلًا فقد ورد في غير واحد من الأحاديث أن السجود جائز على الأرض و ما أنبتت إلّا ما أكل و لبس [١].
و الحكم مطلق و اللفظ عام شامل و مفهومه ظاهر، و لكن مع ذلك فقد وقع الشك في شمولها لبعض الأمر كقشر الفواكه و الأدوية و العقاقير و الشاي قبل أن يطبخ و ما يكون مأكولًا في بلد دون بلد، أو ملبوساً كذلك، و كذا في ما ليس كذلك بالفعل و لكن يكون مأكولًا أو ملبوساً بالقوّة، إلى غير ذلك من الفروع الكثيرة التي أوردوها في الكتب، و لا يقدر العامي على استنباط أحكامها، فعلى الفقيه ملاحظة حال هذه الفروع و صدق هذين العنوانين عليها و عدمه، فإن غالب العوام غير قادرين على الدقة في هذه الأمور، و لكن الفقيه لمزاولته هذه الفروع و أمثالها قادر على أخذ حقيقة هذه الأمور من أعماق أذهان أهل العرف و ردها إليهم، و لا عجب في ذلك فتدبّر جيداً.
و كذلك لا شكّ أن مسافة القصر ثمانية فراسخ كما دلت عليه النصوص، و لكن في صدقها على الثمانية الدورية أو المرتفع في الجو أو في أعماق الأرض غموضاً يتصدى لرفعه الفقيه.
[١] راجع الوسائل: ج ٣ ب ١ من أبواب ما يسجد عليه ص ٥٩١.