بحوث فقهية هامة - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ٣٩٣ - الأوّل منصب الإفتاء
يحتاج إلى معرفة اللغة و العلوم الأدبية و التفسير و الحديث و الرجال و علم الأصول و غير ذلك، و معرفة الناسخ من المنسوخ، و الحاكم من المحكوم، و العامّ من الخاصّ، و المطلق من المقيّد، و معرفة أحكام المتعارضين، و طريق الجمع بينهما، و كيف يقدر جميع الناس على ذلك، حتّى إذا فرضنا إقبالهم على الفقه و ترك جميع التجارات و الزراعات و الصنائع و الحرف، الذي يؤدّي إلى اختلال النظام، لعدم استعداد جميعهم لذلك، حتّى يشاهد في بعض الحوزات العلمية أناس يدرسون أكثر من عشرين سنة لم يبلغوا مرتبة الاجتهاد و لو في مسألة واحدة فقهية، فكيف بغيرهم، و الحقّ أن الاجتهاد أشد من طول الجهاد كما أشار إليه شيخنا الأعظم الأنصاري في بعض كلماته.
و هل يقدر جميع الناس إذا مرضوا بأمراض مختلفة أن يراجعوا بأنفسهم الكتب الطبية و يعملون بما فيها؟ و كذا إذا أرادوا بناء دار أو مدرسة أو سوق أو غيرها يطالعون كتب الهندسة و يستغنون بها عن مراجعة أهل الخبرة، و هذا أمر واضح ظاهر.
و أمّا سيرة أهل الشرع: فقد استقرت منذ زمن النبي (صلى الله عليه و آله) على رجوع الناس في المسائل الشرعية إلى فقهاء الأمة، فكان (صلى الله عليه و آله) إذا فتح بلداً أرسل إليه أميراً و قاضياً، فالأمير لنظم البلد، و القاضي للفتوى و القضاء، و لم يكن القضاء في تلك الأيّام أمراً مستقلًّا عن الإفتاء، فإذا جهلوا بالحكم سألوه عنه، و إذا اختلفوا و تنازعوا في الحقوق رجعوا إليه للقضاء بينهم.
و قد كان بعضهم جامعاً بين مقام الإمارة و الفتوى و إن كان هذا قليلًا بينهم، و من هنا يتضح حال مقبولة عمر بن حنظلة و أنه لا عجب أن يكون صدره في القضاء و ذيلها في الإفتاء.
ثمّ إنه لمّا اتسع نطاق الفقه و العلم انفصل مقام القضاء عن الإفتاء، فقد كان هناك