بحوث فقهية هامة - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ٤٤٥ - أحدها لا ريب في أن الحياة الإنسانية حياة تقوم على المجتمع
و لكنّ هذه كلّها مجرّد أوهام لا أهمية لها عند ما نلمس الحقائق الموجودة في المجتمع البشري، أمّا بلوغ الإنسان إلى مستوى عال من الأخلاق و التقوى الذي ينفى أي اختلاف بين أبناء المجتمع فهو أمر بعيد المنال لا ينبغي الاتكال عليه في هذه الظروف التي نعيشها و في المستقبل على ما نعهده.
و لو سلمنا تحقّق ذلك فهذا لا يغني عن الحكومة، لأنها ليست لرفع الاختلافات فحسب، بل هناك أمور كثيرة تتعلّق بحياة المجتمع ليست في طاقة فرد أو أفراد خاصّه، كبناء الطرق، و استجلاب الأرزاق و دفع الآفات و القيام بشئون الصحّة و التعليم و التربية، و تنظيم البرامج الاقتصادية التي لا تستغني عنها الأُمة إطلاقاً، أو تقع في حرج شديد و عسر عسير، فما ذكر من بلوغ الأمة إلى حد التناصف، أو بلوغها إلى حدّ حذف الطبقة الظالمة، على فرض تحقّقها، إنّما يوجب استغناء الأمة عن النظام القضائي و ما يتعلّق به فقط، و أمّا ما تتصدى له الآن وزارة «الصحّة» و «التعليم» و «الثقافة» و «الاقتصاد»، و غير ذلك ممّا هو كثير فضرورتها قائمة ما بقي الإنسان في المجتمع، فحذف الحكومة من حياة الإنسان وهم في وهم، و خيال في خيال! و إن شئت أن تستدل عليه في صبغة إسلامية، فراجع آراء المتكلمين عند ذكر وجوب بعث الرسل و إنزال الكتب، أو وجوب نصب الإمام بعد ارتحال الرسول (صلى الله عليه و آله) من دار الدنيا، فإنه ينادي بأعلى صوته على ضرورة الحكومة في كلّ عصر و زمان، مثل ما ذكره العلّامة الطوسي في شرح تجريد الاعتقاد، حيث قال في بحث لزوم البعثة: «منها: أن النوع الإنساني خلق لا كغيره من الحيوانات، فإنه مدني بالطبع، يحتاج إلى أمور كثيرة في معاشه، لا يتم نظامه إلّا بها، و هو عاجز عن فعل الأكثر