بحوث فقهية هامة - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ١١٣ - المقام الخامس أدلّة القائلين بعدم جواز الإنشاء بالكتابة
و بالجملة حال الإجماع في هذه المسائل معلوم لا يمكن الركون إليه لإثبات حكم شرعي.
و عن الثّالث: بأنه لا قصور في الكتابة إذا كانت بألفاظ صريحة أو ظاهرة في إفادة المراد، و قد ثبت في محله حجّة ظواهر الألفاظ سواء كانت مسموعة أو مكتوبة، و لذا نعتمد على ظواهر كتاب الله و السنّة بغير إشكال، و لا نزال نستدلّ بالآيات و الأحاديث الواردة من الطرق المعتبرة، فأي قصور في ظهور الكتابة في إفادة المراد؟ بل قد تكون الكتابة أظهر و أصرح من الألفاظ المسموعة.
نعم، لا بدّ من ثبوت كون الكاتب في مقام الإنشاء و الجدّ، و يثبت ذلك بالقرائن الموجودة كما هو كذلك بالنسبة إلى الإنشاء اللفظي فإنه لا بدّ من إحراز كون المتكلّم في مقام الجدّ أمّا بقرائن خاصّة أو بالأصل.
و الأمر سهل في أعصارنا بعد وجود الدفاتر المعدّة لضبط الأسناد و العقود، و الحضور عند هذه الدفاتر و التوقيع عليها من أقوى القرائن على إرادة الإنشاء بالكتابة، بل لا يضاهيها شيء من القرائن اللفظية، بحيث لا تقبل دعوى المنكر و قوله بأنه كان هازلًا أو شبه ذلك.
و من هنا يعلم أن ظهور الكتابة ليس من الظنون الممنوعة كما أشار إليه السيّد الطباطبائي (قدس سره) في بعض كلماته، بل هو من الظنون المعتبرة عند العقلاء طراً، من جميع الأمم و في جميع الأمصار و البلاد كما هو ظاهر، و بالجملة الكتابة أضبط و أمتن من التكلّم، و أدق و أوضح منه، فكيف جعله شيخنا الأعظم في عداد إشارة الأخرس، بل احتمل أن تكون الإشارة أصرح منها، و هذا من غرائب الكلام.
و عن الرّابع: بأن الإنشاء بالكتابة لا يكون مخلًّا للنظام، و مثاراً للخلاف و منشأً للنزاع بل الأمر بالعكس، فالقاطع للخصومة و الحاسم للنزاع هو ضبط الإنشاءات بالكتابة فإنها قوية البرهان، ظاهرة الدلالة، باقية ببقاء الدهر، لا يمكن إنكارها