بحوث فقهية هامة - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ٢٥٣ - الأمر الثاني هل للزمان و المكان تأثير في الاجتهاد؟
ذلك إن شاء الله.
و قد يؤيد ذلك كلّه بما ورد في بعض الكلمات القصار لأمير المؤمنين (عليه السلام)- بعد أن سئل عن قول رسول الله (صلى الله عليه و آله)
«غيّروا الشيب و لا تشبَّهوا باليهود»
- قال
«إنّما قال (صلى الله عليه و آله) و الدِّين قُلٌّ، فأما الآن و قد اتسع نطاقه و ضرَب بِجِرانه فامرؤٌ و ما اختار»
[١]، و للكلام صلة.
و لا ينحصر الكلام بهذه المسائل الخمس، بل المراد توضيح أنّ المفتاح الأصلي الوحيد لحلّ قسم كبير من المسائل المستحدثة هو هذا المعنى؛ أي تبدّل الحكم بتبدّل الموضوعات عرفاً.
و عصارة الكلام: أنّ الأحكام المأخوذة من الشارع المقدّس ثابتة لا تتغيّر مدى القرون و الأعصار و لا تتبدّل بحسب اختلاف الأمكنة و الأمصار، فالحلال حلال دائماً و الحرام حرام كذلك، و لكن الموضوعات العرفية متغيرة دائماً، فكلّما تغيّر الموضوع تغيّر الحكم، حيث إنّ الموضوع كثيراً ما يكون متأثّراً بالزمان و المكان، فإذا تغيّر الزمان و المكان تغيّر الموضوع فيتغيّر الحكم تبعاً له.
و تغيّر الموضوع على أقسام مختلفة:
تارة يكون بتبدّل الماهية كما في الكلب الواقع في المملحة، و أخرى بتبدّل أوصافه الخارجية كتبدّل الدم من جسم الإنسان إلى البقّ، و ثالثة بتبدّل الأمور الاعتبارية كتبدّل المالية. و هذا هو المراد من تأثير الزمان و المكان في الاجتهاد.
ثالثها: هو أنّ تبدّل الزمان و المكان قد يكون سبباً لتنبّه الفقيه إلى مسائل جديدة و انشراح فكره و صدره، فيلتفت إلى أمور لم يكن متنبهاً لها في السابق، سيّما بعد قيام الحكومة الإسلامية، و لكن لا بمعنى أنّه إذا كان خارجاً عن هذه الدائرة كانت
[١] شرح نهج البلاغة (ابن أبي الحديد): ج ١٨ ص ١٢٢.