بحوث فقهية هامة - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ٢٥٢ - الأمر الثاني هل للزمان و المكان تأثير في الاجتهاد؟
فمن الأول قوله تعالى في سورة نوح (وَ يُمْدِدْكُمْ بِأَمْوالٍ وَ بَنِينَ) [١] فقد كان البنون كالأموال سبباً للقوّة، و قوله تعالى (وَ أَمْدَدْناكُمْ بِأَمْوالٍ وَ بَنِينَ وَ جَعَلْناكُمْ أَكْثَرَ نَفِيراً) [٢]، و قوله تعالى (كَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ كانُوا أَشَدَّ مِنْكُمْ قُوَّةً وَ أَكْثَرَ أَمْوالًا وَ أَوْلاداً) [٣].
و من الثاني قوله تعالى (وَ قالُوا نَحْنُ أَكْثَرُ أَمْوالًا وَ أَوْلاداً وَ ما نَحْنُ بِمُعَذَّبِينَ) [٤].
فقد كانت كثرة الأولاد مثل كثرة الأموال سبباً للقوّة و الشوكة و العظمة، فلو تغيّر هذا الموضوع في زمان و صارت الكثرة سبباً لمزيد الضعف و التأخّر و الذّلة و الحقارة- كما يحكى ذلك كثيراً عن أهل الهند، حيث بلغت كثرة النفوس فيها إلى حدّ سبّب في موت الكثير منهم من شدّة الجوع، و كذلك مسألة السكن حتّى قيل إنّ أعداداً هائلة من الناس يتّخذون من أطراف الشوارع و الممرّات مساكن لهم فيها يتكاثرون و فيها يموتون، و ليس لهم من أسباب الحياة شيء- فهل تكون كثرة النسل راجحة في نظر الشرع؟! لا أقول: إنّ كثرة المسلمين قد وصلت إلى هذا الحدّ أو لا، بل أقول: لو أدّى الأمر إلى هذا الحدّ فهل هو شيء يباهي به رسول الله (صلى الله عليه و آله) سائر الأمم؟! أو إنّ اللازم على المسلمين في هذه الأعصار الاهتمام بالكثرة من ناحية الكيفية- أعني الزيادة في العلم و القوّة الفكرية و الثقافية و الصناعية و الأخلاقية- لا الكثرة في كمية الأفراد الفاقدة لذلك؛ فإنّ كثرتهم و الحال هذه كثيراً ما تمنع عن بلوغ المرتبة المطلوبة، و سيأتي بيان
[١] نوح: ١٢.
[٢] الإسراء: ٦.
[٣] التوبة: ٦٩.
[٤] سبأ: ٣٥.