مكاتيب الأئمة(ع) - الأحمدي الميانجي، الشيخ علي - الصفحة ٥١ - ٥ كتابه
قالَ: وَهَل أرَيتَني أجَبتُكَ إلى أنَّ أحَداً مِن أهلِ الأرضِ رَقى إلى السَّماءِ وَقَدَرَ على ذلِكَ حَتّى أقولَ: إنَّهُ دَخَلَ في ظُلُماتِ الأرضينَ وَالبُحورِ.
قلتُ: فَكَيفَ وَقَعَ هذا العِلمُ الّذي زَعَمتَ أنَّ الحُكماءَ مِنَ النّاسِ وَضَعوهُ، وَأنَّ النّاسَ كُلَّهُم مولَدونَ بِهِ؟ وكَيفَ عَرَفوا ذلِكَ الحِسابَ وَهُو أقدَمُ مِنهُم؟ [١]
[١]. قال المجلسي في بحار الأنوار: في نسخة السّيد ابن طاوس هاهنا زيادة: قال: أ رأيت إن قلت لك: إنّ البروج لم تزل، و هي الّتي خلقت أنفسها على هذا الحساب، ما الّذي تردّ عليّ؟
قلت: أسألك كيف يكون بعضها سعداً و بعضها نحساً، و بعضها مضيئاً و بعضها مظلماً، و بعضها صغيراً و بعضها كبيراً؟
قال: كذلك أرادت أن تكون بمنزلة النّاس، فإنّ بعضهم جميل، و بعضهم قبيح، و بعضهم قصير، و بعضهم طويل، و بعضهم أبيض، و بعضهم أسود، و بعضهم صالح، و بعضهم طالح.
قلت: فالعجب منك! إنّي أُراودك منذ اليوم على أن تقرّ بصانع فلم تجبني إلى ذلك، حتّى كان الآن أقررت بأنّ القردة و الخنازير خلقن أنفسهنّ!
قال: لقد بهّتني بما لم يسمع النّاس منّي! قلت: أ فمنكر أنت لذلك؟ قال: أشدّ إنكار. قلت: فمن خلق القردة و الخنازير إن كان النّاس و النّجوم خلقن أنفسهنّ؟ فلا بدّ من أن تقول: إنّهنّ من خلق النّاس، أو خلقن أنفسهن، أ فتقول: إنّها من خلق النّاس؟ قال: لا. قلت: فلا بدّ من أن يكون لها خالق أو هي خلقت أنفسها، فإن قلتَ: إنّها من خلق النّاس أقررت أنّ لها خالقاً، فإن قلتَ: لا بدّ أن يكون لها خالق فقد صدقت، و ما أعرفنا به، و لئِن قُلتَ: إنّهنّ خلقن أنفسهن فقد أعطيتني فوق ما طلبت منك من الإقرار بصانع.
ثمّ قلتُ: فأخبرني بَعضُهنّ قبل بعض خلقن أنفسهنّ أم كان ذلك في يوم واحد؟ فإن قُلتَ: بعضُهُنّ قبل بعض فأخبرني، السّماواتُ و ما فيهنّ و النّجومُ قبلَ الأرض و الإنسِ و الذّرِ خُلِقنَ أم بَعدَ ذلِكَ؟ فَإن قلتَ: إنّ الأرضَ قَبلُ، أ فلا تَرى قولَكَ: إنّ الأشياءَ لم تَزَل، قد بطل حيث كانت السّماء بعد الأرض؟
قال: بلى، و لكن أقول: مَعاً جميعاً خُلقنَ.
قُلتُ: أ فَلا تَرى أنَّكَ قَد أقرَرتَ أنّها لَم تَكُن شَيئاً قَبل أن خُلِقنَ، وَ قَد أذهَبتَ حُجّتكَ في الأزليّةِ؟ قال: إنّي لعلى حَدّ وُقوفٍ، ما أدري ما اجيبُكَ فيهِ؛ لأنّي أعلم أنّ الصّانع إنّما سمي صانعاً لصناعته، و الصّناعة غير الصّانع، و الصّانع غير الصّناعة؛ لأنّه يقال للرّجل: الباني لصناعته البنّاء، و البنّاء غير الباني و الباني غير البنّاء، و كذلك الحارثُ غيرُ الحرثِ و الحَرثُ غيرُ الحارثِ.
قلتُ: فأخبرني عن قولِكَ: إنّ النّاس خَلقوا أنفسهم، فبكمالهم خلقوها أرواحهم و أجسادهم و صورهم و أنفاسهم؟ أم خلق بعض ذلك غيرهم؟ قال: بكمالهم لم يخلق ذلك و لا شيئاً منهم غيرهم.
قلتُ: فأخبرني، الحياة أحبّ إليهم أم الموت؟ قال: أو تشكّ أنّه لا شيء أحبّ إليهم من الحياة، و لا أبغض إليهم من الموت.
قلتُ: فأخبرني من خلق الموت الّذي يخرج أنفسهم الّتي زعمت أنّهم خلقوها، فإنّك لا تنكر أنّ الموت غير الحياة، و أنّه هو الّذي يذهب بالحياة. فإن قلتَ: إنّ الّذي خلق الموت غيرهم، فإنّ الّذي خلق الموت هو الّذي خلق الحياة، و لئن قلت: هم الّذين خلقوا الموت لأنفسهم، إنّ هذا لمحال من القول! و كيف خلقوا لأنفسهم ما يكرهون، إن كانوا كما زعمت خلقوا أنفسهم؟ هذا ما يستنكر من ضلالك أن تزعم أنّ النّاس قدروا على خلق أنفسهم بكمالهم، و أنّ الحياة أحبّ إليهم من الموت، و خلقوا ما يكرهون لأنفسهم!.
قال: ما أجد واحداً من القولين ينقاد لي، و لقد قطعته عليّ قبل الغاية الّتي كنت أريدها.
قلت: دعني فإنّ من الدّخول في أبواب الجهالات ما لا ينقاد من الكلام، و إنّما أسألك عن معلّم هذا الحساب الّذي علّم أهل الأرض علم هذه النّجوم المعلّقة في السّماء.