مكاتيب الأئمة(ع) - الأحمدي الميانجي، الشيخ علي - الصفحة ٤٩٩ - ٩٩ وصيّته
وَأضَرُّهُم بِكَ، وَأعظَمُهُم لَكَ عَداوَةً، وَأخفاهُم لَكَ شَخصاً، مَعَ دُنُوِّهِ مِنكَ، وَمَن يُحَرِّضُ أعداءَ كَ عَلَيكَ وَهُوَ إبليسُ المُوَكَّلُ بِوَسواسٍ مِنَ القُلوبِ، فَلَهُ فَلتَشتَدَّ عَداوَتُكَ، وَلا يَكونَنَّ أصبَرَ على مُجاهَدَتِهِ لِهَلَكَتِكَ مِنكَ على صَبرِكَ، لِمُجاهَدَتِهِ، فَإِنَّهُ أضعَفُ مِنكَ رُكناً [١] في قُوَّتِهِ، وَأقَلُّ مِنكَ ضَرراً في كَثرَةِ شَرِّهِ، إذا أنتَ اعتَصَمتَ بِاللَّهِ فَقَد هُديتَ إلى صِراطٍ مُستَقيمٍ.
يا هِشامُ؛ مَن أكرَمَهُ اللَّهُ بِثَلاثٍ فَقَد لَطُفَ لَهُ: عَقلٌ يَكفيهِ مَؤونَةَ هَواهُ، وَعِلمٌ يَكفيهِ مَؤونَةَ جَهلِهِ، وَغِنىً يَكفيهِ مَخافَةَ الفَقرِ.
يا هِشامُ؛ احذَر هذهِ الدُّنيا، وَاحذَر أهلَها، فَإِنَّ النّاسَ فيها على أرَبَعةِ أصنافٍ: رَجُلٍ مُتَرَدٍّ مُعانِقٍ لِهواهُ، وَمُتعَلِّمٍ مُقرِئٍ كُلَّما ازدادَ عِلماً ازدادَ كِبراً يَستَعلي بِقِراءَ تِهِ وَعلِمِهِ على مَن هُوَ دونَهُ، وَعابِدٍ جاهِلٍ يَستَصغِرُ مَن هُوَ دونَهُ في عِبادَتِهِ يُحِبُّ أن يُعَظَّمَ وَيُوَقَّرَ وَذي بَصيرَةٍ عالِمٍ عارِفٍ بِطَريقِ الحَقِّ، يُحِبُّ القِيامَ بِهِ، فَهُوَ عاجِزٌ أو مَغلوبٌ، ولا يَقدِرُ عَلَى القِيامِ بِما يَعرِفُهُ فَهُوَ مَحزونٌ مَغمومٌ بِذلِكَ فَهُوَ أمثَلُ [٢] أهلِ زَمانِهِ وَأوجَهُهُم عَقلًا.
يا هِشامُ؛ اعرِفِ العَقلَ وَجُندَهُ، وَالجَهلَ وَجُندَهُ، تَكُن مِن المُهتَدينَ.
قالَ هِشامُ: فَقُلتُ: جُعِلتُ فِداكَ لا نَعرِفُ إلّاما عَرَّفتَنا.
فَقالَ ٧: يا هِشامُ؛ إنَّ اللَّهَ خَلَقَ العَقلَ وَهُوَ أوَّلُ خَلقٍ خَلَقَهُ اللَّهُ مِنَ الرَّوحانِيينَ عَن يَمينِ العَرشِ من نورِهِ فقال له: أدبِر فَأَدبَرَ ثُمَّ قالَ لَهُ: أقبِل فَأَقبَلَ، فَقالَ اللَّهُ جَلَّ وَعَزَّ: خَلَقتُكَ خَلقاً عَظيماً وَكَرَّمتُكَ على جَميعِ خَلقي. ثُمَّ خَلَقَ الجَهلَ مِنَ البَحرِ الاجاجِ الظَّلمانِي فَقالَ لَهُ: أدبِر فَأَدبَرَ، ثُمَّ قالَ لَهُ: أقبِل فَلَم يُقبِل فَقالَ لَهُ: استَكبَرتَ فَلَعَنَهُ، ثُمَّ جَعَلَ لِلعَقلِ خَمَسةً وسَبعينَ جُنداً، فَلَمّا رَأَى الجَهلُ ما كَرَّمَ اللَّهُ بِهِ العَقلَ وَما أعطاهُ أضمَرَ لَهُ العَداوَةَ فَقالَ الجَهلُ: يا رَبِّ، هذا خَلقٌ مِثلي خَلَقتَهُ وَكَرَّمتَهُ وَقَوَّيتَهُ، وَأنا ضِدُّهُ وَلا قُوَّةَ لي بِهِ، أعطِني مِنَ الجُندِ مِثلَ ما أعطَيتَهُ؟ فَقالَ تَبارَكَ وَتَعالى: نَعَم، فَإِن عَصَيتَني بَعدَ
[١]. الرّكن: العزّ و المنعة. و أيضاً: ما يقوى به. و الأمر العظيم.
[٢]. الأمثل: الأفضل.