مكاتيب الأئمة(ع) - الأحمدي الميانجي، الشيخ علي - الصفحة ٤٨٨ - ٩٩ وصيّته
لِعَلانِيَّتِهِ مُوافقاً؛ لِأَنَّ اللَّهَ لَم يَدُلَّ عَلَى الباطِنِ الخَفِيِّ مِنَ العَقلِ إلّابِظاهِرٍ مِنهُ وَناطِقٍ عَنهُ.
يا هِشامُ، كانَ أميرُ المُؤمِنينَ ٧ يَقولُ: ما مِن شَيءٍ عُبِد اللَّهُ بِهِ [١] أفضَلُ مِنَ العَقلِ، وَماتَمَّ عَقلُ امرِىً حَتّى يَكونَ فيهِ خِصالٌ شَتّى، الكُفرُ وَالشَّرُّ مِنهُ مَأمونانِ [٢]، وَالرُّشدُ وَالخَيرُ مِنهُ مَأمولانِ [٣] وَفَضلُ مالِهِ مَبذولٌ وَفَضلُ قَولِهِ مَكفوفٌ، نَصيبُهُ مِنَ الدُّنيا القوتُ وَلا يَشبَعُ مِنَ العِلمِ دَهرَهُ، الذُّلُّ أحَبُّ إلَيهِ مَعَ اللَّهِ مِنَ العِزِّ مَعَ غَيرِهِ، وَالتَّواضُعُ أحَبُّ إلَيهِ مِنَ الشَّرَفِ، يَستَكثِرُ قَليلَ المَعروفِ مِن غَيرِهِ، وَيَستَقِلُّ كَثيرَ المَعروفِ مِن نَفسِهِ، وَيَرَى النّاسَ كُلَّهُم خَيراً مِنهُ، وَأنَّهُ شَرُّهُم في نَفسِهِ، وَهُوَ تَمامُ الأَمرِ. [٤]
يا هِشامُ؛ مَن صَدَق لِسانُهُ زَكا عَمَلُهُ، وَمَن حَسُنَت نِيَّتُهُ زيدَ في رِزِقِهِ، وَمَن حَسُنَ بِرُّهُ بِإِخوانِهِ وَأهلِهِ مُدَّ في عُمُرِهِ.
يا هِشامُ؛ لا تَمنَحوا الجُهّالَ الحِكمَةَ فَتَظلِموها [٥]، وَلا تَمنَعوها أهلَها فَتَظلِموهُم.
يا هِشامُ؛ كَما تَرَكوا لَكُم الحِكمَةَ، فَاترُكوا لَهُمُ الدُّنيا. [٦]
يا هِشامُ؛ لا دينَ لِمَن لا مُرُوَّةَ لَهُ، وَلا مُرُوَّةَ لِمَن لا عَقلَ لَهُ، وَإِنَّ أعظَمَ النّاسِ قَدراً الَّذي لا يَرَى الدُّنيا لِنَفسِهِ خَطراً [٧]، أما إنَّ أبدانَكُم لَيسَ لَها ثَمَنٌ إلّاالجَنَّةَ، فَلا تَبيعوها بِغَيرِها. [٨]
[١]. في الكافي: «ما عبد اللَّه بشيء».
[٢]. الكفر في الاعتقاد و الشّرّ في القول و العمل و الكلّ ينشأ من الجهل. و في بعض النّسخ: «مأمون».
[٣]. الرّشد في الاعتقاد و الخير في القول و الكلّ ناش من العقل. و في بعض النّسخ: «مأمول».
[٤]. أي ملاك الأمر و تمامه في أن يكون الإنسان كاملًا تامّ العقل هو كونه متصفاً بمجموعة هذه الخصال. (وافي).
[٥]. لا تمنحوا الجهّال: أي لا تعطوهم و لا تعلموهم. و المنحة: العطاء.
[٦]. في الكافي هاهنا: «يا هشام إنّ العاقل لا يكذب و إن كان فيه هواه».
[٧]. أي قدراً و رفعة. و الخطر: الحظّ و النّصيب و القدر و المنزلة.
[٨]. هاهنا كلام نقله صاحب الوافي عن استاده رحمهما الله قال: و ذلك لأنّ الأبدان في التّناقص يوماً فيوماً لتوجّه النّفس منها إلى عالم آخر، فإن كانت النّفس سعيدة كانت غاية سعيه في هذه الدّنيا و انقطاع حياته البدنيّة إلى اللَّه سبحانه و إلى نعيم الجنّة، لكونه على منهج الهداية و الاستقامة، فكأنّه باع بدنه بثمن الجنّة معاملة مع اللَّه تعالى و لهذا خلقه اللَّه عز و جل، و إن كانت شقيّة كانت غاية سعيه و انقطاع أجله و عمره إلى مقارنة الشّيطان و عذاب النّيران لكونه على طريق الضّلالة، فكأنّه باع بدنه بثمن الشّهوات الفانية و اللذّات الحيوانيّة الّتي ستصير نيرانات محرقة مؤلمة، و هي اليوم كامنة مستورة عن حواسّ أهل الدُّنيا و ستبرز يوم القيامة: «
وَ بُرّزَتِ الْجَحِيمُ لِمَن يَرَى»
، معاملة مع الشّيطان و خسر هنالك المبطلون.