مكاتيب الأئمة(ع) - الأحمدي الميانجي، الشيخ علي - الصفحة ٢٩ - ٥ كتابه
وَلَعمري ما أُتِيَ الجُهَّالُ مِن قِبَلِ رَبِّهِم وَأنَّهُم لَيَرَونَ الدِّلالاتِ الواضِحاتِ وَالعَلاماتِ البَيِّناتِ في خَلقِهِم، وَما يُعايِنونَ مِن مَلَكوتِ السَّماواتِ وَالأرضِ وَالصُّنعِ العَجيبِ المُتقَنِ الدَّالِّ عَلى الصّانِعِ، وَلكِنَّهُم قَومٌ فَتَحوا عَلى أنفُسِهِم أبوابَ المَعاصي، وَسَهّلوا لَها سَبيلَ الشّهواتِ، فَغَلَبت الأهواءُ على قُلُوبِهِم، وَاستَحوَذَ الشَّيطانُ بِظُلمِهِم عَلَيهِم، وَكذلِكَ يَطبَعُ اللَّهُ عَلى قُلوبِ المُعتَدينَ.
والعَجَبُ مِن مَخلوقٍ يَزعُمُ أنّ اللَّهَ يَخفى عَلى عِبادِهِ وَهُوَ يَرى أَثَرَ الصُّنعِ في نَفسِهِ بِتَركيبٍ يَبهَرُ عَقلَهُ، وَتأليفٍ يُبطِلُ حُجَّتَهُ.
وَلَعَمري لَو تَفَكَّروا في هذهِ الأُمورِ العِظامِ لَعايَنوا مِن أمرِ التَّركيبِ البَيِّنِ، وَلُطفِ التَّدبيرِ الظّاهِرِ، وَوُجودِ الأشياءِ مَخلوقَةً بَعدَ أن لَم تَكُن، ثُمَّ تَحَوُّلُها مِن طَبيعَةٍ إلى طَبيعَةٍ، وَصنيعَةٍ بَعدَ صَنيعَةٍ، ما يَدُلُّهُم ذلِكَ عَلى الصَّانِعِ، فَإنّهُ لا يَخلو شَيءٌ مِنها مِن أن يَكونَ فيهِ أثرُ تَدبيرٍ وَتَركيبٍ يَدُلُّ عَلى أنَّ لَهُ خَالِقاً مُدَبِّراً، وَتأليفٌ بِتَدبيرٍ يَهدي إلى واحِدٍ حَكيمٍ.
وَقَد وَافاني كِتابُكَ وَرَسَمتُ لَكَ كِتاباً كُنتُ نازَعتُ فيهِ بَعضَ أهلِ الأديانِ مِن أهلِ الإنكارِ، وَذلِكَ أنَّهُ كانَ يَحضُرُني طَبيبٌ من بِلادِ الهِندِ، وَكانَ لا يَزالُ يُنازِعُني في رَأيِهِ، وَيُجادِلُني عَلى ضَلالَتِهِ، فَبَينا هُوَ يَوماً يَدُقُّ إهليلجَةً لِيَخلِطَها دَواءً احتَجتُ إلَيهِ مِن أدوِيَتِهِ، إذ عَرَضَ لَهُ شَيءٌ مِن كلامِهِ الّذي لَم يَزَل يُنازِعُني فيهِ مِنِ ادِّعائِهِ أنَّ الدُّنيا لَم تَزَل وَلا تَزالُ شَجَرَةً تَنبُتُ وَاخرى تَسقُطُ، نَفسٌ تولَدُ وَاخرى تَتلَفُ، وَزَعَمَ أنَّ انتِحالي المَعرِفَةَ للَّهِ تَعالى دَعوَى لا بَيّنَةَ لي عَلَيها، وَلا حُجَّةَ لي فيها، وَأنَّ ذلِكَ أمرٌ أخَذَهُ الآخِرُ عَنِ الأَوَّلِ، وَالأصغَرُ عَنِ الأكبَرِ، وَأنَّ الأشياءَ المُختَلِفَةَ وَالمُؤتَلِفَةَ وَالباطِنَةَ وَالظّاهِرَةَ إنَّما تُعرَفُ بِالحَواسِّ الخَمسِ: نَظَرِ العَينِ، وَسَمعِ الأُذُنِ، وَشَمِّ الأنفِ، وَذَوقِ الفَمِ، وَلَمسِ الجَوارِحِ، ثُمَّ قادَ مَنطِقَهُ عَلى الأصلِ الّذي وَضَعَهُ فَقالَ: لَم يَقَع شَيءٌ مِن حَواسّي عَلى خالِقٍ يُؤدَّي إلى قَلبي، إنكاراً للَّهِ تَعالى.