مكاتيب الأئمة(ع) - الأحمدي الميانجي، الشيخ علي - الصفحة ٢٣٢ - ٧٧ وصيّته
بِهِ، ولا يُدَبِّرُ العَبدُ لِنَفسِهِ تَدبيراً، وَجُملَةُ اشتِغالِهِ فيما أمَرَهُ اللَّهُ تَعالى بِهِ وَنَهاهُ عنهُ، فإذا لَم يَرَ العَبدُ لِنَفسِهِ فيما خَوَّلَهُ اللَّهُ تَعالى مُلكاً هانَ عَلَيهِ الإنفاقُ فيما أمَرَهُ اللَّهُ تَعالى أن يُنفِقَ فيهِ، وَإذا فَوَّضَ العَبدُ تَدبيرَ نَفسِهِ عَلى مُدَبِّرِهِ هانَ عَلَيهِ مَصائِبُ الدُّنيا، وَإذا اشتَغَلَ العَبدُ بما أمَرَهُ اللَّهُ تَعالى وَنهاهُ لا يَتَفرَّغُ مِنها إلى المِراء وَالمُباهاةِ مَعَ النّاسِ، فإذا أكرَمَ اللَّهُ العَبدَ بِهذهِ الثّلاثِ هانَ عَلَيهِ الدُّنيا وَإبليسُ وَالخَلقُ، وَلا يَطلُبَ الدُّنيا تَكاثُراً وَتَفاخُراً، وَلا يَطلُبَ عِندَ النّاسِ عِزّاً وعُلُوّاً، ولا يَدَعَ أيّامَهُ باطِلًا، فَهذا أوّلُ دَرَجَةِ المُتّقينَ، قالَ اللَّهُ تَعالى: «تِلْكَ الدَّارُ الْأَخِرَةُ نَجْعَلُهَا لِلَّذِينَ لَايُرِيدُونَ عُلُوّاً فِى الْأَرْضِ وَلَا فَسَاداً وَ الْعاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ» [١].
قُلتُ: يا أبا عَبدِ اللَّهِ أوصِني. فَقالَ:
أُوصيكَ بِتِسعَةِ أشياءَ، فإنَّها وَصِيَّتي لِمُريدي الطّريقِ إلى اللَّهِ عز و جل، وَاللَّهَ أسألُ أن يُوَفّقَكَ لاستعمالِهِ:
ثَلاثَةٌ مِنها في رياضَةِ النّفسِ، وَثَلاثَةٌ مِنها في الحلِمِ، وَثَلاثَةٌ مِنها في العِلمِ، فاحفَظها وَإيّاكَ والتّهاوُنَ بِها.
قال عنوان [٢]: ففرّغت قلبي له. فقال:
أمّا اللّواتي في الرِّياضَةِ: فَإيّاكَ أن تَأكُلَ ما لاتَشتَهيهِ، فإنَّهُ يُورِثُ الحَماقَةَ والبَلَهَ، وَلا تأكُل إلّاعِندَ الجوعِ، وَإذا أكَلتَ فَكُل حَلالًا وَسَمِّ اللَّهَ، وَاذكُر حديثَ الرَّسولِ ٦: ما مَلأ آدمِيٌّ وِعاءً شَرّاً مِن بَطنِهِ، فَإن كانَ لابُدَّ فَثُلثٌ لِطعامِهِ وَثُلُثٌ لِشَرابِهِ وَثُلُثٌ لِنَفسهِ.
أمّا اللّواتي في الحِلمِ: فَمَن قالَ لَكَ: إن قُلتَ واحِدَةً سَمِعتَ عَشراً، فَقُل: إن قُلتَ عَشراً لَم تَسمَع واحِدَةً، وَمَن شَتَمَكَ فَقُل: إن كُنتَ صادِقاً فيما تَقولُ فاللَّهَ أسألُ أن يَغفِرَها لي، وَإن كُنتَ كاذِباً فيما تَقولُ فاللَّهَ أسألُ أن يَغفِرَها لَكَ، وَمَن وَعَدَكَ بِالجَفاءِ فَعدِهُ بِالنَّصيحَةِ وَالدُّعاءِ [٣].
[١]. القصص: ٨٣.
[٢]. و في نسخة: «عفان» بدل «عنوان».
[٣]. في بحار الأنوار: «الرّعاء» بدل «الدّعاء».