مكاتيب الأئمة(ع) - الأحمدي الميانجي، الشيخ علي - الصفحة ٢٣١ - ٧٧ وصيّته
وَ رَجَعتُ إلى داري مُغتمّاً حَزيناً وَ لَم أختَلِف إلى مالِكِ بنِ أنسٍ لِما اشرِبَ قَلبي مِن حُبِّ جَعفَرٍ، فَما خَرَجتُ مِن داري إلّا إلى الصَّلاةِ المَكتوبَةِ حَتّى عِيلَ صَبري، فَلَمّا ضاقَ صَدري تَنَعَّلتُ وَ تَرَدَّيتُ وَ قَصَدتُ جَعفراً- وَ كان بَعدَ ما صَلَّيتُ العَصرَ- فَلَمّا حَضَرتُ بابَ دارِهِ استَأذَنتُ عَلَيهِ، فَخَرَج خادِمٌ لَهُ فقالَ: ما حاجَتُكَ؟
فقلتُ: السَّلامُ [١] عَلى الشَّريفِ.
فَقالَ: هُوَ قائِمٌ في مُصَلّاهُ، فَجَلَستُ بِحذاءِ بابِهِ، فَما لَبثِتُ إلّا يَسيراً، إذ خرَجَ خادِمٌ لَهُ قالَ: ادخُل عَلى بَرَكَةِ اللَّهِ، فَدَخلتُ وَ سَلَّمتُ عَلَيهِ، فَرَدَّ عَلَيَّ السَّلامَ.
وَ قالَ:
اجلِس غَفَرَ اللَّهُ لَكَ.
فَجَلَستُ فَأطرَقَ مَلِيّاً ثُمَّ رَفَعَ رَأسَهُ وَ قالَ:
أبو مَن؟
قلتُ: أبو عَبدِ اللَّهِ. قال:
ثَبَّتَ اللَّهُ كُنيَتَكَ وَوَفَّقَكَ لِمَرضاتِهِ، يا أبا عَبدِ اللَّهِ ما مَسألَتُكَ؟.
قُلتُ في نَفسي: لَو لَم يَكُن لي مِن زِيارَتِهِ وَ التَّسليمِ عَلَيهِ غَيرُ هذا الدُّعاءِ لَكانَ كَثيراً. ثُمَّ أطرَقَ مَلِيّاً ثُمَّ رَفَعَ رَأسَهُ فَقالَ:
يا أبا عَبدِ اللَّهِ، ما حاجَتُكَ؟
قُلتُ: سَألتُ اللَّهَ أن يَعطِفَ قَلبَكَ عَلَيَّ وَ يَرَزُقَني مِن عِلمِكَ، وَ أرجو أنَّ اللَّهَ تَعالى أجابَني في الشَّريفِ ما سَألتُهُ. فَقالَ:
يا أبا عَبدِ اللَّهِ، لَيسَ العِلمُ بِالتَّعَلُّمِ، إنَّما هُوَ نورٌ يَقَعُ في قَلبِ مَن يُريُد اللَّهُ تباركَ وَتَعالى أن يَهدِيَهُ، فإن أرَدتَ العِلمَ فاطلُب أوّلًا مِن نَفسِكَ حَقيقَةَ العُبودِيَّةِ، وَاطلُب العِلمَ باستِعمالِهِ، واستَفهِمِ اللَّهَ يُفَهِّمكَ.
قُلتُ: يا شريفُ. فَقالَ:
قُل: يا أبا عَبدِ اللَّهِ.
قُلتُ: يا أبا عَبدِ اللَّهِ، ما حَقيقَةُ العُبودِيَّةِ؟ قال:
ثَلاثَةُ أشياءَ: أن لا يَرى العَبدُ لِنَفسِهِ فيما خَوَّلَهُ اللَّهُ إلَيهِ مُلكاً؛ لِأنَّ العَبيدَ لا يَكونُ لَهُم مُلكٌ، يَرَونَ المالَ مالَ اللَّهِ يَضَعونَهُ حَيثُ أمَرَهُم اللَّهُ تَعالى
[١]. و في نسخة: «أسلّم» بدل «السلام».