مكاتيب الأئمة(ع) - الأحمدي الميانجي، الشيخ علي - الصفحة ٤٨٤ - ١٣٣ كتابه
بِسَلامَةِ صُدُورِهِمْ، ولا تَصِحُّ نَصِيحَتُهُمْ إِلَّا بِحِيطَتِهِمْ عَلَى وُلاةِ الأمُورِ وقِلَّةِ اسْتِثْقَالِ دُوَلِهِمْ، وتَرْك اسْتِبْطَاءِ انْقِطَاعِ مُدَّتِهِمْ، فَافْسَحْ فِي آمَالِهِمْ، ووَاصِلْ فِي حُسْنِ الثَّنَاءِ علَيْهم، وتَعْدِيدِ ما أَبْلَى ذَوُوالْبَلاءِ مِنْهُمْ، فَإِنَّ كَثْرَةَ الذِّكْرِ لِحُسْنِ أَفْعَالِهِمْ تَهُزُّ الشُّجَاعَ، وتُحَرِّضُ النَّاكِلَ إِنْ شَاءَ اللَّه.
ثُمَّ اعْرِفْ لِكُلِّ امْرِئٍ مِنْهُمْ ما أَبْلَى، ولا تَضُمَّنَّ بَلاءَ امْرِئٍ إلى غَيْرِهِ، ولا تُقَصِّرَنَّ به دُونَ غَايَةِ بَلائِهِ، ولا يَدْعُوَنَّك شَرَفُ امْرِئٍ إلى أَنْ تُعْظِمَ مِن بَلائِهِ ما كَانَ صَغِيراً، ولا ضَعَةُ امْرِئٍ إلى أَنْ تَسْتَصْغِرَ مِن بَلائِهِ مَا كَانَ عَظِيماً، وارْدُدْ إلى اللَّه ورَسُولِهِ ما يُضْلِعُك مِنَ الْخُطُوبِ، ويَشْتَبِهُ عَلَيْك مِنَ الأمُورِ، فَقَدْ قَالَ اللَّه تعالى لِقَوْمٍ أَحَبَّ إِرْشَادَهُمْ: «يَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُوْلِى الْأَمْرِ مِنكُمْ فَإِن تَنَزَعْتُمْ فِى شَىْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ» [١]، فَالرَّدُّ إِلَى اللَّه الأَخْذُ بِمُحْكَمِ كِتَابِهِ، والرَّدُّ إلى الرَّسُولِ الأخْذُ بِسُنَّتِهِ الْجَامِعَةِ غَيْرِ الْمُفَرِّقَةِ.
ثُمَّ اخْتَرْ لِلْحُكْمِ بَيْنَ النَّاسِ أَفْضَلَ رَعِيَّتِك فِي نَفْسِك مِمَّنْ لا تَضِيقُ به الأمُورُ، ولا تُمَحِّكُهُ الْخُصُومُ، ولا يَتَمَادَى فِي الزَّلَّةِ، ولا يَحْصَرُ مِنَ الْفَيْ ءِ إلى الْحَقِّ إذَا عَرَفَهُ، ولا تُشْرِفُ نَفْسُهُ عَلَى طَمَعٍ، ولا يَكْتَفِي بِأَدْنَى، فَهْمٍ دُونَ أَقْصَاهُ وأَوْقَفَهُمْ فِي الشُّبُهَاتِ، وآخَذَهُمْ بِالْحُجَجِ، وأَقَلَّهُمْ تَبَرُّماً بِمُرَاجَعَةِ الْخَصْمِ، وأَصْبَرَهُمْ عَلَى تَكَشُّفِ الأمُورِ، وأَصْرَمَهُمْ عِنْدَ اتِّضَاحِ الْحُكْمِ، مِمَّنْ لا يَزْدَهِيهِ إِطْرَاءٌ، ولا يَسْتَمِيلُهُ إِغْرَاءٌ، وأُولَئِك قَلِيلٌ، ثُمَّ أَكْثِرْ تَعَاهُدَ قَضَائِهِ، وافْسَحْ لَهُ فِي الْبَذْلِ ما يُزِيلُ عِلَّتَهُ وتَقِلُّ مَعَهُ حَاجَتُهُ إلى النَّاسِ، وأَعْطِهِ مِنَ الْمَنْزِلَةِ لَدَيْك ما لا يَطْمَعُ فِيهِ غَيْرُهُ مِن خَاصَّتِك، لِيَأْمَنَ بِذَلِك اغْتِيَالَ الرِّجَالِ لَهُ عِنْدَك، فَانْظُرْ فِي ذَلِك نَظَراً بَلِيغاً، فَإِنَّ هَذَا الدِّينَ قَدْ كَانَ أَسِيراً فِي أَيْدِي الأشْرَارِ، يُعْمَلُ فِيهِ بِالْهَوَى، وتُطْلَبُ بِهِ الدُّنْيَا.
[١] النساء: ٥٩.