مكاتيب الأئمة(ع) - الأحمدي الميانجي، الشيخ علي - الصفحة ٥٢٧ - الأحْنَفُ بنُ قَيْس
و لنخرجنّ مَعكَ على العسر و اليسر، و الرِّضا و الكره، نحتسب في ذلك الخير، و نأمل من اللَّه العظيم من الأجر [١].
و في تاريخ مدينة دمشق: إنّ الأحنف بن قَيْس دخل على معاوية، فقال: أنت الشَّاهر علينا سيفك يوم صفِّين، و المخذِّل عن أمّ المؤمنين؟! فقال: يا معاوية! لا تردّ الامور على أدبارها؛ فإنّ السُّيوف الَّتي قاتلناك بها على عواتقنا، و القلوب الَّتي أبغضناك بها بين جوانحنا، و اللَّه لا تمدّ إلينا شبراً من غدرٍ إلّا مددنا إليك ذراعاً من خَتْر [٢]، و إن شئت لتستصفينّ كدر قلوبنا بصفوٍ من عفوك. قال: فإنّي أفعل [٣].
و في العقد الفريد عن أبي الحباب الكِنْديّ عن أبيه: إنّ معاوية بن أبي سفيان، بينما هو جالس و عنده وجوه النَّاس، إذ دخل رجل من أهل الشَّام، فقام خطيباً، فكان آخر كلامه أن لعن عليّاً، فأطرق النَّاس و تكلّم الأحنف، فقال:
يا أمير المؤمنين! إنّ هذا القائل ما قال آنفاً، لو يعلم أنّ رضاك في لعن المرسلين للعنهم! فاتّقِ اللَّه و دعْ عنك عليّاً؛ فقد لقي ربّه، و أُفرد في قبره، و خلا بعمله، و كان و اللَّه- ما علمنا- المُبرِّز بسبقه، الطَّاهر خُلقه، الميمون نقيبته [٤]، العظيم مصيبته.
فقال له معاوية: يا أحنف! لقد أغضيت العين على القذى، و قلت بغير ما
[١]. وقعة صفّين: ص ١١٦.
[٢] الخَتْر: شبيه بالغدر و الخديعة؛ و قيل: هو أسوأُ الغدر و أقبحه (لسان العرب: ج ٤ ص ٢٢٩).
[٣]. تاريخ مدينة دمشق: ج ٢٤ ص ٣٢٦، عيون الأخبار لابن قتيبة: ج ٢ ص ٢٣٠، العقد الفريد: ج ٣ ص ٨٦ و فيهما من «لا تردّ الامور ...»، تاريخ الإسلام للذهبي: ج ٥ ص ٣٥١ و فيه إلى «جوانحنا»، وفيات الأعيان: ج ٢ ص ٥٠٠ كلّها نحوه.
[٤] أي مُنَجّح الفِعال، مظفَّر المطالب. و النقيبة: النفس. و قيل: الطبيعة و الخليقة (النهاية: ج ٥ ص ١٠٢).