مكاتيب الأئمة(ع) - الأحمدي الميانجي، الشيخ علي - الصفحة ٤٠ - أبو ذَرٍّ الغِفارِيّ
و صرخاته بوجه الظُّلم ملأت الآفاق، و اشتهرت في التَّاريخ؛ فهو لم يصبر على إسراف الخليفة الثَّالث و تبذيره و عطاياه الشَّاذّة، فانتفض ثائراً صارخاً ضدّها، و لم يتحمّل التَّحريف الَّذي افتعلوه لدعم تلك المناقب المصطنعة، و قدح في الخليفة، و استنكر توجيه كَعْب الأحْبار لأعماله و ممارساته. فقام الخليفة بنفي صوت العدالة هذا إلى الشَّام الَّتي كانت حديثة عهدٍ بالإسلام، غيرَ مُلمّةٍ بثقافته [١].
و لم يُطِقه معاوية أيضاً؛ إذ كان يعيش في الشَّام كالملوك، و يفعل ما يفعله القياصرة، ضارباً بأحكام الإسلام عرض الجدار، فأقضّت صيحات أبي ذَرّ مضجعه [٢]. فكتب إلى عثمان يخبره باضطراب الشَّام عليه إذا بقي فيها أبو ذَرّ، فأمر بردّه إلى المدينة [٣]، و أرجعوه إليها على أسوأ حال.
و قدم أبو ذَرّ المدينة، ليجد سياسة عثمان على حالها، فعاد أبو ذرّ إلى طريقته، فالاحتجاج كان قائماً، و الصّيحات مستمرّة، و قول الحقّ متواصلًا، فلم يتوقّف أبو ذرّ عن كشف الانحراف. و لمّا لم يُجْدِ التَّرغيب و التَّرهيب معه، غيّرت الحكومة اسلوبها معه، و ما هو إلّا الإبعاد، لكنّه هذه المرَّة إلى الرَّبَذة [٤]، و هي صحراء قاحلة حارقة، و أصدر عثمان تعاليمه بمنع مشايعته [٥]. و لم
[١]. راجع: أنساب الأشراف: ج ٦ ص ١٦٦، مروج الذهب: ج ٢ ص ٣٤٩، شرح نهج البلاغة: ج ٨ ص ٢٥٦ ح ١٣٠.
[٢]. راجع: أنساب الأشراف: ج ٦ ص ١٦٧، شرح نهج البلاغة: ج ٨ ص ٢٥٦ الرقم ١٣٠؛ الشافي: ج ٤ ص ٢٩٤.
[٣]. الطبقات الكبرى: ج ٤ ص ٢٢٦، أنساب الأشراف: ج ٦ ص ١٦٧، سِيَر أعلامِ النبلاء: ج ٢ ص ٦٣ الرقم ١٠، تاريخ الطبري: ج ٤ ص ٢٨٣؛ الأمالي للمفيد: ص ١٦٢ ح ٤.
[٤]. راجع: الكافي: ج ٨ ص ٢٠٦ ح ٢٥ الأمالي للمفيد: ص ١٦٤ ح ٤؛ أنساب الأشراف: ج ٦ ص ١٦٧، الطبقات الكبرى: ج ٤ ص ٢٢٧.
[٥]. راجع: مروج الذهب: ج ٢ ص ٣٥ شرح نهج البلاغة: ج ٨ ص ٢٥٢ الرقم ١٣٠؛ الأمالي للمفيد: ص ١٦٥ ح ٤.