مكاتيب الأئمة(ع) - الأحمدي الميانجي، الشيخ علي - الصفحة ٥٤٥ - ١٤٠ كتابه
لا للحَياةِ، وأنَّك في مَنْزِلِ قُلْعَةٍ ودارِ بُلْغَةٍ، وطريقٍ إلى الآخِرَةِ، وأنَّك طَرِيدُ المَوْتِ الَّذِي لا يَنْجو منه هارِبُهُ، ولابُدَّ أنَّه مُدْرِكهُ، فكن منْه على حذَرٍ أنْ يدرِكَك وأنت على حالٍ سَيِّئةٍ قَدْ كنتَ تُحَدِّثُ نفسَك منْها بالتَّوبَةِ، فيَحُولَ بينك وبين ذلِك، فإذا أنْتَ قَدْ أهلَكْتَ نَفسَكَ.
يا بُنَيَّ أكْثِر مِنْ ذِكْرِ المَوْتِ، وذكْرِ ما تَهْجُمُ عَليْهِ، وتُفْضي بَعْدَ الموْتِ إليْهِ، واجعلْه أمامَكَ حَيْثُ تَراه، حَتَّى يأتيك وقد أخذْتَ منْه حِذْرَك، وشَدَدْتَ لَهُ أزْرَكَ، ولا يأتيك بَغْتَةً فَيَبْهَرَك، ولا يأخُذَك على غِرَّتِك، وأكْثِر ذكْر الآخِرة وما فيها من النَّعيم والعذاب الأليم، فإنَّ ذلِك يُزَهِّدُك في الدُّنيا ويُصَغِّرُها عِنْدَكَ.
وإيَّاك أنْ تَغْتَرَّ بما تَرى من إخْلاد أهل الدُّنيا إليْها، وتَكالُبِهِم عليْها، فَقَدْ نَبَّأك اللَّه جل جلاله عنْها، ونَعَتْ لَكَ نفسَها، وتَكَشَّفَتْ لَكَ عَن مَساوِيها، فَإنَّما أهلُها كِلابٌ عاوِيَةٌ، وسِباعٌ ضارِيةٌ، يَهِرُّ بعضُها بعْضاً، ويأكُلُ عزيزُها ذليلَها، ويَقْهَر كبيرُها صغِيرَها، وكثيرُها قَلِيلَها، نَعَمٌ مُعَقَّلَةٌ، وأخرَى مُحْفَلَةٌ مُهْمَلَةٌ، قَدْ أضَلَّت عقُولَها، ورَكِبَتْ مَجْهُولَها، سُروحُ عاهَةٍ في وادِ وَعْثٍ، ليْسَ لها راعٍ يُقِيمُها، ولا مُسِيمٌ يُسيمُها، لَعِبَتْ بهم الدُّنيا، فَلَعِبُوا بها، ونَسُوا ما وَراءَها، رُوَيْداً حَتَّى يُسْفِرَ الظَّلامُ، كأن ورَبِّ الكعْبة، يوشَك مَن أسْرَع أنْ يلْحَق.
واعلْم يا بُنَيَّ، أنَّ كلَّ مَن كانت مَطِيَّتُه اللَّيْلَ والنَّهارَ فإنَّهُ يُسارُ به، وإنْ كان لا يَسِيْر، أبَى اللَّه إلّاخَرابَ الدُّنيا وعِمارَةَ الآخِرة.
يا بُنَيَّ، فإنْ تَزْهَد فِيما زَهَّدْتُكَ فيْه وتَعْزِفُ نفسُكَ عنْها فهي أهلُ ذلك، وإنْ كنْتَ غَيْرَ قابِلٍ نَصِيحَتي إيَّاك فيْها، فاعلَم يقيناً أنَّك لن تَبْلُغَ أمَلَك، ولا تَعْدُو أجلَكَ، فإنَّك في سبيل مَن كان قبلَك، فخَفِّضْ في الطَّلَبِ، وأجمِل في المُكْتَسَبِ،